الصفحة 2 من 9

و تعيّن الجهاد في عدد من الأمصار الإسلاميّة فهبّ المسلمون لنصرة أهلها، و نفروا خفافًا و ثقالًا، يدفعون عن إخوانهم صولة العدوّ، و يشاركونهم شَرف الذود عن حُرُمات المسلمين، و الإثخان في العتاة المجرمين، فمنهم من قضى نحبَه و منهم من ينتظر مرابطًا على الثغور في أفغانستان و الشيشان و الفلبين و الصومال و البوسنة و غيرها.

و مع ما تمخّض عنه الجهاد من خيرات رُغم قلّة النصير، و كثرة النكير، فإنّ جراحات المسلمين لا تزال نازفة في شرق العالم الإسلاميّ و غَربه، و لا يكاد يلتئم جُرحٌ حتى يُثلَم ثغر جديد هنا أو هناك، فيهب لسدّه شبابٌ باعوا نفوسهم لله، و ذاقوا حلاوة التضحية و الجهاد، فغبّروا أقدامهم في سبيله، و عفّروا جباههم بتراب الرباط في ميادينه و على ثغوره، غير آبهين أو مبالين بصَلَف الطغاة، و ملاحقة البغاة، و تخويل بعض الدعاة.

بل تراهم رهبانًا في الليل، فرسانًا في النهار، يقارعون الباطل، و يصرخون في وجه أهله (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) [من سورة التوبة الآية 52] .

و إذا لهث القاعدون حول حطام الدنيا، و تزاحموا بالأكتاف و الأقدام على أبواب الرزق و أسبابه رأيت أهل الثغور أكثر اطمئنانًا و إيمانًا و تسليمًا، يستحْلون مرارة الرباط، و يحتملون شظف العيش، و لا يلتمسون من الدنيا و حطامها إلا ما يلقون تحت ظلال الرماح، يحدو ركبهم خير البشر، و أمير الظفر، الذي قال فيما رواه البخاري معلّقًا و أحمد بإسناد صحيح عَنِ عبد الله ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَ رِزْقِى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِى، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِى» . فطوبى لمن بايعه على ذلك أو بايع من بايع عليه. ثبت في الصحيحين و سنن النسائي و الترمذي و مسند الإمام أحمد أن يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ سأل سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه: عَلَى أَيِّ شَيءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.

فيا حُسنَها من بَيعةٍ، و يا طِيبَها من مِيتة، ترى الواحد ممّن ارتضوها يمني نفسه و يؤمّل صاحبه في النصر و التمكين، و يشدّ على يديه مبايعًا على الصبر و الثبات، فلا يهولهم جَلل المُصاب، و لا يسوؤهم الوصف بالعنف و الإرهاب، و لا يزعزع عزائمهم، أو يفت في عضُدهم، سفك الدماء و تطاير الأشلاء، ما دام ذلك في سبيل الله، ابتغاءَ مَرضاته، و رَجاء رِضاه.

و لستُ أُبالي حينَ أُقْتَل مُسلمًا ... على أيّ جنبٍ كان في الله مَصرَعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت