الصفحة 7 من 9

مسألة المكان وضلال الأحباش والمتكلمين فيها:

فإذا كان هذا التفريق واضحًا في أذهان إخواننا الحاضرين وأخواتنا الحاضرات الغائبات، فأقول: هذه فلسفة نعرفها من أخزم -شنشنة نعرفها من أخزم- حينما يعتمدون على الكلام، ولا أقول على العقل بعد ذاك التفصيل، وإنما على عقلهم فقط، يريدون أن ينزهوا الله عز وجل عن المكان وهو منزه عن المكان بحكم قوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] . وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255] فالله عز وجل -كما نعلم جميعًا على اختلاف الفرق الإسلامية- كان الله ولا شيء معه، لم يكن ثمة زمان ولا مكان، ثم خلق الله عز وجل المكان والزمان؛ فلذلك فلا شك ولا ريب أن الله عز وجل ليس في مكان، ولكن الذي يجب الإنتباه له: أن تلك الكلمة الحبشية -إذا صحت هذه النسبة- يتبين لنا بهذه الكلمة الموجزة أنها كلمة حق أريد بها باطل، أي: قولهم: إن المكان مخلوق، ولا يُعقل أن يكون الله عز وجل حالًا في مخلوق!! هذا كلام صحيح، لكن هي كلمة حق أريد بها باطل، ما هو الباطل الذي يراد بهذه الكلمة؟ يريدون أن يعطلوا الله عز وجل عن صفاته وعن أسمائه تبارك وتعالى المصرح بها في القرآن وفي السنة الصحيحة. فنحن نقول معهم بأن الله عز وجل ليس في مكان، ولكن هل يقولون معنا كما قال الله عز وجل في القرآن: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ؟ هل يقولون معنا كما في الآية الكريمة: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] ؟ هل يقولون معنا كما قال ربنا: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] ؟ الجواب -مع الأسف-: لا.

إذًا تلك كلمة حق أريد بها باطل، والآن سيتضح لكم، ولكل من قد يكون تسربت إليهم أو إليهن شيء من شبه أولئك الأحباش، سنقول: إن الله عز وجل قد وصف في هذه الآيات وفي غيرها، وفي أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا، أن له تبارك وتعالى صفة العلو، فلا جرم أن المصلي حينما يسجد يقول: سبحان ربي الأعلى، وأن من أدب التلاوة في صلاة الليل إذا قرأ الإمام: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] أن يقول المقتدون من ورائه: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، قاطعة الدلالة على أن لله عز وجل صفة العلو على المخلوقات كلها، هل هم يقولون مع قولهم: إن الله ليس في مكان، أن الله عز وجل على العرش استوى؟ لا يقولون بذلك؛ والسبب يعود إلى أحد أمرين اثنين، والأمر كما يقال: أحلاهما مر؛ فإما أن يكون هذا الأمر يعود إلى انحراف في الفكر والعقل، بل وإلى نقص في العقل والفهم، وإما أن يكون القصد الهدم للإسلام من أقوى جوانبه، ألا وهو العقيدة المتعلقة بالله تبارك وتعالى، وكما علمتم أحلاهما مر، سواءً كان قولهم هذا بأن ينكروا ما صرح الله عز وجل في تلك الآيات والنصوص ما ذكرنا منها وما لم نذكر، بأن لله صفة العلو. إنكارهم لهذه الصفة إما أن يكون نقصا في العقل والفهم والعلم وإما أن يكون كيدا للإسلام والمسلمين فأحلاهما مر، نحن سنقول الآن: الله عز وجل ليس في مكانٍ خلقه بعد أن كان عدمًا، هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، لكن هل الله عز وجل فوق المخلوقات كلها وهو ليس في مكان؟ لا تلازم -وهنا يظهر جهل هؤلاء أو كيدهم- لا تلازم إطلاقًا بين إثبات صفة العلو لله عز وجل على المخلوقات كلها، وبين أن يكون هو في مكان؛ لأن المكان حينما يطلق إنما يراد به شيئا كان مسبوقًا بالعدم ثم خلقه الله عز وجل. إذًا: هؤلاء الذين يبدءون الكلام بالفلسفة الكلامية: المكان مخلوق أم ليس بمخلوق؟ نعم. هو مخلوق .. هل يليق بالله عز وجل أن يكون في مكان خلقه؟ الجواب: لا يليق، إذًا كيف يقال: إن الله في مكان؟ نقول: لا أحد من المسلمين يقول: إن الله في مكان، إلا المنحرفين عن الكتاب والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت