الرائية الخالدة
نظم ابن عبدون الاندلسي
1 -الدَّهُر يفجَع بعد العين بالأثرِ ... فما البكاءُ على الأشباح والصّور
2 -أنهاكَ أنهاكَ لا آلُوك موعظةً ... عن نومةٍ بين نابِ اللّيث والظُّفُر
3 -فالدّهر حربٌ وإن أبدي مسالمّةً ... والبيضُ والسودُ مثلُ البيِض والسُّمُر
4 -ولا هوادةَ بين الرّأس تأخُذُه ... أيْدي الضِّرابِ وبين الصّارِمِ الذّكر
5 -فلا يغرنّك من دنياك نومتُها ... فما صناعةُ عينيها سِوَى السَّهر
6 -مَا للّيالي أقالَ الله عْثَرتَنا ... من اللَّيالي وخَانَتْها يَدُ الغِيرَ
7 -في كلّ حينٍ لها في كلّ جارحة ... منّا جراٌح وإن زَاغَت عن النّظر
8 -تّسُرُّ بالشّيء لكن كي تَغُرَّ به ... كالأيْمِ ثَار إلى الجانِي من الزَّهر
9 -كم دوله وليَت بالنّصر خدمتَها ... لم تُبق منها وسَلْ دنياك عن خَبر
10 -هوت بَدارا وفلَّت غَرب قَاتِلِه ... وكان عَضْبًا على الأملاك ذا أثُر
11 -واستَرجَعت من بني ساسان ما وهَبَت ... ولم تدع لبني يُونَان من أثَر
12 -وأتْبَعت أختَها طسْمًا وعادَ على ... عادٍ وجُرهَم مِنها ناقضُ المِرَر
13 -وما أقَالت ذَوي الهيئات من يَمن ... ولا أجارَت ذوي الغَايات من مُضر
14 -ومزّقت سَبأً في كلِّ قاصيٍة ... فما التقَى رائٌح منهم بمُبتكر
15 -وأنْفَذَت في كُليب حكمها ورمَت ... مُهَلْهلًا بين سمعِ الأرض والبَصر
16 -ودوَّخَت آلَ ذُبيان وإخوتَهم ... عَبْسا؛ وعَضَّت بني بدر على النَّهر
17 -ولم تَرُدَّ على الضّلّيل صِحَّتَه ... ولا ثَنَت أسدًا عن رَبِّها حُجُر
18 -وألحقَت بِعَديٍّ في العراق على ... يَدِ ابنْه الأحمر العينين والشَّعَر
19 -وأهلكت أبرويزًا بابنه ورمت ... بيزَدجردَ إلى مَروٍ فلم يُحِر
20 -وبلَّغت يَزْدَجِردَ الصّينَ واخْتزلَت ... عنه سِوىَ الفُرس جمَع التُّرك والخَزَر
21 -ولم تَكُفَّ مواضي رُسْتمٍ وقَنَا ... ذِي حَاجِبٍ عنه سَعدًا في ابْنَةِ الغَير
22 -يومَ القَليب بنُو بدر فَنُوا وسَعى ... قَليبُ بدرٍ بمن فيه إلى سَقَر
23 -ومزَّقت جعفرًا بالبيضِ واختلست ... من غِيله حمزَة الظَّلاَّمَ للجَزَر
24 -وأشْرفَت بخُبيب فوق فارعةٍ ... وألْصَقَت طَلحةَ الفياضَ بالعفَر
25 -وخَضَّبَتْ شَيبَ عُثْمانٍ دَمًا وخَطت ... إلى الزُّبَير ولم تَستَحْيِ من عُمر
26 -ولا رَعت لأبي اليَقْظان صُحبَتَه ... ولم تُزَوِّده إلاَّ الضَّيْح في الغُمَر
27 -وأجْزَرَت سيف أشْقاها أبَا حسنٍ ... وأمْكَنَتْ من حُسين راحَتَي شَمِر
28 -وليتَها إذ فَدَت عمرًا بخَارِجَةٍ ... فَدت عَليًّا بمن شاءَت من البَشر
29 -وفي ابنِ هِند وفي ابن المصطفى حَسَنٍ ... أتت بمُذْهِلة الألبابِ والفِكَر
30 -فبعضُها قائلٌ: ما اغتاله أحدٌ ... وبعضُها ساكتٌ لم يُؤْت من حَصَر
31 -وأرَدْت ابنَ زيادٍ بالحُسين فلم ... يَبُؤْ بِشِسْعٍ له قد طاحَ أو ظُفر
32 -وعَمَّمت بالظُّبا فَوْدَىْ أبِي أنٍس ... ولم تَرْدَّ الّردى عنه قَنا زُفَر
33 -وأنْزلَت مُصْعَبًا من رأس شاهِقةٍ ... كانت به مُهجة المختار في وَزَر
34 -ولم تُراقب مكان ابن الزُّيبر ولا ... رَعَت عياذَتَه بالرُّكن والحَجر
35 -وأعمْلَت في لَطيم الجنّ حيلتَها ... واستوثَقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخر
36 -ولم تَدع لأبي الذِّبَّان قائمةً ... ليس اللّطُيم لها عمرٌو بمُنتصر
37 -وأحْرقَت شلْو زَيدٍ بعد ما احترقت ... عليه وجدًا قلوبُ الآي والسّور
38 -وأظْفَرت بالوَليد بنِ اليزيد ولم ... تُبق الخلافةَ بين الكأسِ والوَتَر
39 -حبَابةٌ حبُّ رمّان أتيحَ لها ... وأحمرٌ قطَّرته نفحةُ القُطر
40 -ولم تَعُدْ قُضُبَ السَّفَّاحِ نابية ... عن رَأْس مروانَ أو أشياعه الفُجُر
41 -وأسْبلت دمعةَ الرُّوح الأمين على ... دمٍ بفَخّ لآل المصطفى هَدَر
42 -وأشْرقت جعفرًا والفضلُ ينظره ... والشَيخ يحيى بكأس الصّاب والصّبر
43 -وأخْفَرت في الأمينِ العهدَ وانتدَبت ... لجعَفرٍ بابنه والأعبُدِ الغُدُر
44 -و ما وَفَت بعهود المستعين ولا ... بما تأكّد للمعتّز من مِرَر
45 -وأوثقت في عراها كلّ مُعتمد ... وأشْرقت بقذاها كلَّ مُقْتدر
46 -وروَّعَت كلَّ مأمُون ومؤتمن ... وأسلَمت كلَّ منصور ومنتصر
47 -وأعثرت آل عبَّاد لعًا لهم ... بِذَيلِ زباءَ لم تنفر من الذعر
48 -بني المظفَّر والأيّامُ لا نزلت ... مراحل والوَرى منها على سَفَر
49 -سُحقًا ليومكم يومًا ولا حملت ... بمثله ليَلٌة في غَابِر العمر
50 -من للأسّرة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثُّغَر
51 -من للظُّبا وعوالى قد عُقدت ... أطرافُ ألْسُنها بالعِّي والحَصر
52 -وطُرِّزَتْ بالمنايَا السُّود بيضُهم ... أعجْب بذاك وما منها سوى الذِّكر
53 -من لليَراعة أو من للبراعة أو ... من للسّماحة أو للنّفع والضّرر
54 -أو دفع كارثة أو ردع آزفَةٍ ... أو قمع حَادثة تُعيي على القَدر
55 -ويحَ السَّماحِ وويح البأس لو سلماَ ... واحسرةَ الدّين والدّنيا على عمر
56 -سَقَت ثَرى الفضل والعبّاسِ هاميةٌ ... تُعزي إليهم سمَاحًا لاَ إلى المَطرِ
57 -ثلاثةٌ ما ارتَقى النَّسران حيثُ رَقُوا ... وكلُّ ما طَار من نَسْر ولم يَطِر
58 -ثلاثة ما رأى العصران مثلهُم ... فضلًا ولو عُزِّزَا بالشمس والقَمر
59 -ثلاثة كذوِات الدَّهر مُنْذُ نأوْا ... عنّي مضي الدَّهر لم يربع ولم يَحُر
60 -ومرَّ من كلّ شيء فيه أطيُبه ... حتى التمُّتع بالآصالِ والبُكرَ
61 -أين الجلال الذي غَضَّت مهابَتُه ... قلوبَنا وعيونَ الأنْجُمِ الزُّهُر
62 -أين الإباءُ الذي أرسَوْا قواعِدَه ... على دَعائَم من عزّ ومن ظَفَر
63 -أين الوفاءُ الذي أصْفَوا شرائعه ... فلم يَرِد أحدٌ منها على كَدَر
64 -كانوا رَواسي أرض الله مُنذ نَأوْا ... عنها استَطارَت بمن فيه ولم تَقِر
65 -كانُوا مصابيحها فيها فمنذ خَبوا ... هَوَى الخليقُة ياللهِ في شَرَر
66 -كانوا شَجَى الدهر فاستهوتهمُ خُدَعٌ ... منه بأحلام عادٍ في خُطا الخطر
67 -ويلُ امّه من طَلوِب الثأر مُدرِكة ... منهم بأسْدٍ سواهم في الوغى صُبُر
68 -مَن لي ومن لهُم إن أظلمت نُوَبٌ ... ولم يكن ليلُها يُفضي إلى سَحَر
69 -من لي ومن لهُم إن عطلِّت سُنن ... وأخْفَيِتْ ألسن الآثار والسّير
70 -من لي ومن لهُم إن أطبقَت محنٌ ... ولم يكن ورْدها يدعو إلى صَدَر
71 -على الفضائل إلا الصّبَر بعدَهم ... سلامُ مُرتقب للأِجرِ مُنْتَظر
72 -يرجُو عَسى، وله في أختها أمل ... والدّهُر ذو عُقَب شَتَّى وذُو غِيَر
73 -قَّرطت آذانَ من فيها بفاضِحَةٍ ... علَى الحسَانِ حصَا الياقوت والدُّرَر
74 -سيارةٍ في أقاصي الأرض قاطعةٍ ... شَقَاشِقًا هَدرَت في البَدْو والحَضَر
75 -مُطاعِة الأمر في الألباب قاضيةٍ ... من المسامع ما لم يُقْض من وطَر
76 -ثُمَّ الصَلاة عَلى المُختارِ سَيِّدِنا ... المُصطَفى المُجتَبى المَبعوثِ مِن مُضَرِ
77 -وَالآلِ وَالصحبِ ثُمّ التابِعينَ لَهُ ... ما هَبَّ ريحٌ وَهَلَّ السُحبُ بِالمَطَرِ