الصفحة 2 من 2

الرائية الخالدة

نظم ابن عبدون الاندلسي

1 -الدَّهُر يفجَع بعد العين بالأثرِ ... فما البكاءُ على الأشباح والصّور

2 -أنهاكَ أنهاكَ لا آلُوك موعظةً ... عن نومةٍ بين نابِ اللّيث والظُّفُر

3 -فالدّهر حربٌ وإن أبدي مسالمّةً ... والبيضُ والسودُ مثلُ البيِض والسُّمُر

4 -ولا هوادةَ بين الرّأس تأخُذُه ... أيْدي الضِّرابِ وبين الصّارِمِ الذّكر

5 -فلا يغرنّك من دنياك نومتُها ... فما صناعةُ عينيها سِوَى السَّهر

6 -مَا للّيالي أقالَ الله عْثَرتَنا ... من اللَّيالي وخَانَتْها يَدُ الغِيرَ

7 -في كلّ حينٍ لها في كلّ جارحة ... منّا جراٌح وإن زَاغَت عن النّظر

8 -تّسُرُّ بالشّيء لكن كي تَغُرَّ به ... كالأيْمِ ثَار إلى الجانِي من الزَّهر

9 -كم دوله وليَت بالنّصر خدمتَها ... لم تُبق منها وسَلْ دنياك عن خَبر

10 -هوت بَدارا وفلَّت غَرب قَاتِلِه ... وكان عَضْبًا على الأملاك ذا أثُر

11 -واستَرجَعت من بني ساسان ما وهَبَت ... ولم تدع لبني يُونَان من أثَر

12 -وأتْبَعت أختَها طسْمًا وعادَ على ... عادٍ وجُرهَم مِنها ناقضُ المِرَر

13 -وما أقَالت ذَوي الهيئات من يَمن ... ولا أجارَت ذوي الغَايات من مُضر

14 -ومزّقت سَبأً في كلِّ قاصيٍة ... فما التقَى رائٌح منهم بمُبتكر

15 -وأنْفَذَت في كُليب حكمها ورمَت ... مُهَلْهلًا بين سمعِ الأرض والبَصر

16 -ودوَّخَت آلَ ذُبيان وإخوتَهم ... عَبْسا؛ وعَضَّت بني بدر على النَّهر

17 -ولم تَرُدَّ على الضّلّيل صِحَّتَه ... ولا ثَنَت أسدًا عن رَبِّها حُجُر

18 -وألحقَت بِعَديٍّ في العراق على ... يَدِ ابنْه الأحمر العينين والشَّعَر

19 -وأهلكت أبرويزًا بابنه ورمت ... بيزَدجردَ إلى مَروٍ فلم يُحِر

20 -وبلَّغت يَزْدَجِردَ الصّينَ واخْتزلَت ... عنه سِوىَ الفُرس جمَع التُّرك والخَزَر

21 -ولم تَكُفَّ مواضي رُسْتمٍ وقَنَا ... ذِي حَاجِبٍ عنه سَعدًا في ابْنَةِ الغَير

22 -يومَ القَليب بنُو بدر فَنُوا وسَعى ... قَليبُ بدرٍ بمن فيه إلى سَقَر

23 -ومزَّقت جعفرًا بالبيضِ واختلست ... من غِيله حمزَة الظَّلاَّمَ للجَزَر

24 -وأشْرفَت بخُبيب فوق فارعةٍ ... وألْصَقَت طَلحةَ الفياضَ بالعفَر

25 -وخَضَّبَتْ شَيبَ عُثْمانٍ دَمًا وخَطت ... إلى الزُّبَير ولم تَستَحْيِ من عُمر

26 -ولا رَعت لأبي اليَقْظان صُحبَتَه ... ولم تُزَوِّده إلاَّ الضَّيْح في الغُمَر

27 -وأجْزَرَت سيف أشْقاها أبَا حسنٍ ... وأمْكَنَتْ من حُسين راحَتَي شَمِر

28 -وليتَها إذ فَدَت عمرًا بخَارِجَةٍ ... فَدت عَليًّا بمن شاءَت من البَشر

29 -وفي ابنِ هِند وفي ابن المصطفى حَسَنٍ ... أتت بمُذْهِلة الألبابِ والفِكَر

30 -فبعضُها قائلٌ: ما اغتاله أحدٌ ... وبعضُها ساكتٌ لم يُؤْت من حَصَر

31 -وأرَدْت ابنَ زيادٍ بالحُسين فلم ... يَبُؤْ بِشِسْعٍ له قد طاحَ أو ظُفر

32 -وعَمَّمت بالظُّبا فَوْدَىْ أبِي أنٍس ... ولم تَرْدَّ الّردى عنه قَنا زُفَر

33 -وأنْزلَت مُصْعَبًا من رأس شاهِقةٍ ... كانت به مُهجة المختار في وَزَر

34 -ولم تُراقب مكان ابن الزُّيبر ولا ... رَعَت عياذَتَه بالرُّكن والحَجر

35 -وأعمْلَت في لَطيم الجنّ حيلتَها ... واستوثَقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخر

36 -ولم تَدع لأبي الذِّبَّان قائمةً ... ليس اللّطُيم لها عمرٌو بمُنتصر

37 -وأحْرقَت شلْو زَيدٍ بعد ما احترقت ... عليه وجدًا قلوبُ الآي والسّور

38 -وأظْفَرت بالوَليد بنِ اليزيد ولم ... تُبق الخلافةَ بين الكأسِ والوَتَر

39 -حبَابةٌ حبُّ رمّان أتيحَ لها ... وأحمرٌ قطَّرته نفحةُ القُطر

40 -ولم تَعُدْ قُضُبَ السَّفَّاحِ نابية ... عن رَأْس مروانَ أو أشياعه الفُجُر

41 -وأسْبلت دمعةَ الرُّوح الأمين على ... دمٍ بفَخّ لآل المصطفى هَدَر

42 -وأشْرقت جعفرًا والفضلُ ينظره ... والشَيخ يحيى بكأس الصّاب والصّبر

43 -وأخْفَرت في الأمينِ العهدَ وانتدَبت ... لجعَفرٍ بابنه والأعبُدِ الغُدُر

44 -و ما وَفَت بعهود المستعين ولا ... بما تأكّد للمعتّز من مِرَر

45 -وأوثقت في عراها كلّ مُعتمد ... وأشْرقت بقذاها كلَّ مُقْتدر

46 -وروَّعَت كلَّ مأمُون ومؤتمن ... وأسلَمت كلَّ منصور ومنتصر

47 -وأعثرت آل عبَّاد لعًا لهم ... بِذَيلِ زباءَ لم تنفر من الذعر

48 -بني المظفَّر والأيّامُ لا نزلت ... مراحل والوَرى منها على سَفَر

49 -سُحقًا ليومكم يومًا ولا حملت ... بمثله ليَلٌة في غَابِر العمر

50 -من للأسّرة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثُّغَر

51 -من للظُّبا وعوالى قد عُقدت ... أطرافُ ألْسُنها بالعِّي والحَصر

52 -وطُرِّزَتْ بالمنايَا السُّود بيضُهم ... أعجْب بذاك وما منها سوى الذِّكر

53 -من لليَراعة أو من للبراعة أو ... من للسّماحة أو للنّفع والضّرر

54 -أو دفع كارثة أو ردع آزفَةٍ ... أو قمع حَادثة تُعيي على القَدر

55 -ويحَ السَّماحِ وويح البأس لو سلماَ ... واحسرةَ الدّين والدّنيا على عمر

56 -سَقَت ثَرى الفضل والعبّاسِ هاميةٌ ... تُعزي إليهم سمَاحًا لاَ إلى المَطرِ

57 -ثلاثةٌ ما ارتَقى النَّسران حيثُ رَقُوا ... وكلُّ ما طَار من نَسْر ولم يَطِر

58 -ثلاثة ما رأى العصران مثلهُم ... فضلًا ولو عُزِّزَا بالشمس والقَمر

59 -ثلاثة كذوِات الدَّهر مُنْذُ نأوْا ... عنّي مضي الدَّهر لم يربع ولم يَحُر

60 -ومرَّ من كلّ شيء فيه أطيُبه ... حتى التمُّتع بالآصالِ والبُكرَ

61 -أين الجلال الذي غَضَّت مهابَتُه ... قلوبَنا وعيونَ الأنْجُمِ الزُّهُر

62 -أين الإباءُ الذي أرسَوْا قواعِدَه ... على دَعائَم من عزّ ومن ظَفَر

63 -أين الوفاءُ الذي أصْفَوا شرائعه ... فلم يَرِد أحدٌ منها على كَدَر

64 -كانوا رَواسي أرض الله مُنذ نَأوْا ... عنها استَطارَت بمن فيه ولم تَقِر

65 -كانُوا مصابيحها فيها فمنذ خَبوا ... هَوَى الخليقُة ياللهِ في شَرَر

66 -كانوا شَجَى الدهر فاستهوتهمُ خُدَعٌ ... منه بأحلام عادٍ في خُطا الخطر

67 -ويلُ امّه من طَلوِب الثأر مُدرِكة ... منهم بأسْدٍ سواهم في الوغى صُبُر

68 -مَن لي ومن لهُم إن أظلمت نُوَبٌ ... ولم يكن ليلُها يُفضي إلى سَحَر

69 -من لي ومن لهُم إن عطلِّت سُنن ... وأخْفَيِتْ ألسن الآثار والسّير

70 -من لي ومن لهُم إن أطبقَت محنٌ ... ولم يكن ورْدها يدعو إلى صَدَر

71 -على الفضائل إلا الصّبَر بعدَهم ... سلامُ مُرتقب للأِجرِ مُنْتَظر

72 -يرجُو عَسى، وله في أختها أمل ... والدّهُر ذو عُقَب شَتَّى وذُو غِيَر

73 -قَّرطت آذانَ من فيها بفاضِحَةٍ ... علَى الحسَانِ حصَا الياقوت والدُّرَر

74 -سيارةٍ في أقاصي الأرض قاطعةٍ ... شَقَاشِقًا هَدرَت في البَدْو والحَضَر

75 -مُطاعِة الأمر في الألباب قاضيةٍ ... من المسامع ما لم يُقْض من وطَر

76 -ثُمَّ الصَلاة عَلى المُختارِ سَيِّدِنا ... المُصطَفى المُجتَبى المَبعوثِ مِن مُضَرِ

77 -وَالآلِ وَالصحبِ ثُمّ التابِعينَ لَهُ ... ما هَبَّ ريحٌ وَهَلَّ السُحبُ بِالمَطَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت