فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 59

بمال يأخذه كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين ... إلى أن قال:

فالواجب على ولى الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، فان كان التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة والصيام وغيرهما وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها كنكاح ذوات المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك، فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله باتفاق العلماء ... إلى أن قال: وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التي يجب القتال عليها فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد في سبيل الله وهو واجب على الأمة بالاتفاق كما دل عليه الكتاب والسنة وهو من افضل الأعمال ... إلى آخر كلامه النفيس رحمه الله. [1]

وأولو الأمر المنوط بهم إقامة الأحكام والحدود هم العلماء والأمراء فقد أمر الله تعالى بطاعتهم، فقال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) [2] ، قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل وهو الكتاب والسنة، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم أن يطيعوا أولى الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فان تنازعوا ـ أي الأمراء والرعية ـ في شئ صغيرا كان أو كبيرا ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن المعلوم أن الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله تعالى ويلزمون الناس بقوانين باطلة مخالفة لدين الله تعالى ويعطلون أحكام الله تعالى وشرائعه وحدوده ليسوا من المسلمين بحال فضلا عن أن يكونوا من أولي الأمر فلا يدخلون في وجوب الطاعة، بل يجب مجاهدتهم لمن قدر عليها، لذلك فقد ذكر أهل العلم إن أولي الأمر الذين تجب طاعتهم هم العلماء والفقهاء والأمراء الذين يأمرون بطاعة الله عز وجل، لا الذين يأمرون بالمنكر أو يجيزونه وينهون عن المعروف ويحرمونه، ولا الذين يحملون الناس على الكفر بالحديد والنار وقوة السلاح، فهؤلاء ليسوا من أولي الأمر الذين تجب طاعتهم بحال.

فعن ابن عباس في قوله تعالى (أولى الأمر منكم) يعني أهل الفقه والدين، قال عبد الله بن أحمد: وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر فأوجب الله سبحانه طاعتهم على عباده، وعن جابر بن عبد الله: هم أولو الفقه والعلم، وعن عطاء في قوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال: أولى الفقه وأولى العلم وطاعة الرسول أتباع الكتاب والسنة، وعن ميمون بن مهران قال: قوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ما دام حيا فإذا قبض فإلى سنته، وعن مجاهد قال (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال: أهل العلم وأهل الفقه (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) قال: كتاب الله وسنة نبيه ولا تردوا إلى أولي الأمر شيئا.

وقال القرطبي رحمه الله: قال جابر بن عبد الله ومجاهد (أولو الأمر) أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك رحمه الله، ونحوه قول الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين ... إلى أن قال القرطبي: وعن ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي (أولو الأمر) أصحاب السرايا، وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم. اهـ [3]

وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله: اختلف في تأويل (أولي الأمر) ، فروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد أنهم أولوا الفقه والعلم، وعن ابن عباس رواية وأبي هريرة أنهم أمراء السرايا، ويجوز أن يكونوا جميعا مرادين بالآية لأن الاسم يتناولهم جميعا، لأن الأمراء يلون أمر تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو، والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز، فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان العلماء عدولا مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون، وهو نظير قوله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .

ومن الناس من يقول: إن الأظهر من أولي الأمر ههنا أنهم الأمراء لأنه قدم ذكر الأمر بالعدل وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة، ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عدولا مرضيين وليس يمتنع

(1) راجع مجموعة الفتاوى ج28/ 303: 309.

(2) سورة النساء، الآية:58ـ59.

(3) تفسير القرطبي ج5/ 362، ط دار الحديث، راجع اعتقاد أهل السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ج1/ 72ـ73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت