القائم بنفسه، ونفهمه كلامنا القائم بأنفسنا بالإشارة دون نطق اللسان، فحصل من هذه الجملة أن حقيقة الكلام على الإطلاق في حق الخالق والمخلوق إنما هو المعنى القائم بالنفس لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقًا، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة دون الصوت ووجوده وتارة إشارة ورمزًا دون الحرف والأصوات ووجودهما، فحقيق الكلام القائم بالنفس موجود عند الحرف والصوت، لكن الخلق كلامهم مخلوق كهم وكلام الله ليس بمخلوق كهو، سبحانه وتعالى. ونريد بقولنا كهو أن صفات ذاته لا توصف بالخلق والحدث ولا بشيء من الخلق والحدث، كما أنه تعالى لا يوصف بالخلق والحدث. ولا بشيء من صفات الخلق والحدث، ولا نريد بقولنا كهو أنها خالقة رازقة.
فأفهم هذا التحقيق، لأن المعتزلة تشنع وتقول: إذا كان الباري عالمًا بعلم ومتكلمًا بكلام والكل قديم يجب أن يكون معه قدماء كثيرة في الأزل، وإذا كانت كهو فيجب أن تكون خالقة رازقة آلهة كهو، وهذا تمويه منهم على عقول العوام، حتى ينفروهم عن أهل التحقيق والسنة والجماعة، ويميلوا إلى باطلهم من نفى صفات الله التي وصف بها نفسه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يوافقوهم في القول بخلق القرآن معنى، وإن لم ينطقوا به، وكذلك أن المعتزلة أكثر حجتهم على أن كلام الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن أنه بزعمهم حروف وأصوات فرضوا من هؤلاء العوام أن يصرحوا في كلام الله تعالى بما يوجب كونه مخلوقًا ضرورة، وإن لم يقولوا إنه مخلوق نطقًا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومما يدل على أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من الكتاب