بعد ذلك بخمسة أشهر وبعث عمه حمزة في جمادى الأولى فكان أول من غزا في سبيل الله وأول من عقدت له راية في الإسلام خرج في ثلاثين راكبًا إلى سيف البحر فلقوا أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش فحجز بينهم رجل من جهينة فافترقوا من غير قتال ثم بعث عبيدة بن الحارث في خمسين راكبًا يعارض عيرًا لقريش فلقوا جمعًا كثيرًا فتراموا بالنبل ولم يكن بينهم مسايفة.
وقيل إن سرية عبيدة كانت قبل سرية حمزة وفيها رمى سعد وكان أول سهم رمي في سبيل الله ، وَقِيل: أول لواء عقده رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ لعبد الله بن جحش والأول أصح والله أعلم.
والأكثر على أن سرية عبد الله بن جحش كانت في سنة اثنتين في غرة رجب إلى نخلة وفيها قتل ابن الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الآخرة ثم غزا رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أهل الكفر من العرب وبعث إليهم السرايا وكانت غزواته بنفسه ستًا وعشرين غزوة هذا أكثر ما قيل في ذلك.
وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله وعند المسلمين غزوة بدر الكبرى حيث قتل الله صناديد قريش وأظهر دينه وأعزه الله من يومئذ وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان صبيحة يوم الجمعة وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان وذلك سنة ست من الهجرة وكانت بعوثه وسراياه خمسًا وثلاثين من بين بعث وسرية.
قال أحمد بن حنبل وغيره عن وكيع ، عَن أَبيهِ وإسرائيل عن أبي إسحاق قال سألت زيد بن أرقم كم غزا رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال تسع عشرة غزوة وغزوت معه سبع عشرة وسبقني بغزوتين واعتمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ ثلاث عمر وفي قول من جعله قارنًا في حجة أربع عمر وقد بينا ذلك في كتاب التمهيد.
وافترض عليه الحج بالمدينة وكذلك سائر الفرائض فيما أمر به أو حرم عليه إلا الصلاة فإنها افترضت عليه حين أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وذلك بمكة ولم يحج رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ من المدينة غير حجة الوداع وذلك سنة عشر من الهجرة.