فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 177

الْمُعَيَّنِ إنْسَانًا عَقْلِيًّا وَحَيَوَانًا عَقْلِيًّا وَنَاطِقًا عَقْلِيًّا وَحَسَّاسًا عَقْلِيًّا وَجِسْمًا عَقْلِيًّا وَذَاكَ هُوَ الْمَاهِيَّةُ الَّتِي يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُودُ وَتِلْكَ الْمَاهِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُعَيَّنَاتِ وَهَذَا الْكَلَامُ لَهُ وَقْعٌ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ وَيَتَدَبَّرْهُ . فَإِذَا فَهِمَ حَقِيقَتَهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بِكَلَامِ الْمَجَانِينِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِكَلَامِ الْعُقَلَاءِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَإِنَّمَا أَتَى فِيهِ هَؤُلَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ تَصَوَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَعَانِيَ"كُلِّيَّةً مُطْلَقَةً"فَظَنُّوا أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ . فَضُلَّالُهُمْ فِي هَذَا عَكْسُ ضُلَّالِهِمْ فِي أَمْرِ الْأَنْبِيَاءِ شَاهَدَتْ أُمُورًا خَارِجَةً عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَزَعَمَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ فِي أَنْفُسِهِمْ . وَهَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ شَهِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أُمُورًا"كُلِّيَّةً مُطْلَقَةً"فَظَنُّوا أَنَّهَا فِي الْخَارِجِ وَلَيْسَتْ إلَّا فِي أَنْفُسِهِمْ فَجَعَلُوا مَا فِي أَنْفُسِهِمْ فِي الْخَارِجِ وَلَيْسَ فِيهِ وَجَعَلُوا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ فِي

الْخَارِجِ فَلِهَذَا كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِالْغَيْبِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ جَعَلُوا وُجُودَ الرَّبِّ الْخَالِقِ لِلْعَالَمِينَ الْبَائِنِ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ أَجْمَعِينَ هُوَ مِنْ جِنْسِ وُجُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْأَنَاسِيِّ والحيوانية فِي الْحَيَوَانِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَوُجُودِ الْوُجُودِ فِي الثُّبُوتِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ - فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ شَيْئًا مَوْجُودًا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَعَ مُغَايَرَتِهِ لَهَا فَضَرَبُوا لَهُ مَثَلًا تَارَةً بِالْكُلِّيَّاتِ وَتَارَةً بِالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَتَارَةً بِالْوُجُودِ الْمُغَايِرِ لِلثُّبُوتِ وَإِذَا مَثَّلُوهُ بِالْمَحْسُوسَاتِ مَثَّلُوهُ بِالشُّعَاعِ فِي الزُّجَاجِ أَوْ بِالْهَوَاءِ فِي الصُّوفَةِ فَضَرَبُوا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ الْأَمْثَالَ ؛ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ؛ وَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَمْثَالِ ضَالُّونَ مِنْ وُجُوهٍ: ( أَحَدُهَا ) : إنَّمَا مَثَّلُوا بِهِ مِنْ الْمَادَّةِ مَعَ الصُّورَةِ وَالْكُلِّيَّاتِ مَعَ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْوُجُودِ مَعَ الثُّبُوتِ: كُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا شَيْئَيْنِ فَجَعَلُوا الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ كَمَا جَعَلُوا الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا فِي مِثْلِ صِفَاتِ اللَّهِ يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالِمُ ، وَالْعِلْمَ هُوَ الْمَعْلُومُ وَالْعِلْمَ هُوَ الْقُدْرَةُ ، وَالْعِلْمَ هُوَ الْإِرَادَةُ وَأَنْوَاعُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي إذَا تَدَبَّرَهَا الْعَاقِلُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِالْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَأَعْظَمِ النَّاسِ قَوْلًا لِلْبَاطِلِ ؛ مَعَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ وَنُفُوسِ أَتْبَاعِهِمْ مِنْ الدَّعَاوَى الْهَائِلَةِ الطَّوِيلَةِ الْعَرِيضَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت