مَا يَتَخَيَّلُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الصُّوَرِ وَالْأَصْوَاتِ وَلَمْ يَكْفِهِمْ هَذَا الْبُهْتَانُ حَتَّى ادَّعَوْا أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاَللَّهِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ ، وَالْعِلْمُ بِاَللَّهِ هُوَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ"الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ"السَّارِي فِي الْكَائِنَاتِ فَوُجُودُ كُلِّ مَوْجُودٍ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ وَاجِبِ الْوُجُودِ . وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ الدَّهْرِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ مُبْدِعٌ أَبْدَعَهُ هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ ؛ بَلْ يَقُولُونَ: الْعَالَمُ نَفْسُهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ . فَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الدَّهْرِيَّةِ الإلهيين وَهُوَ يَعُودُ عِنْدَ التَّحَقُّقِ إلَى قَوْلِ الدَّهْرِيَّةِ الطَّبِيعِيِّينَ وَقَدْ حَدَّثُونَا: أَنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ تَنَازَعَ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو حَفْصٍ السهروردي: هَلْ يُمْكِنُ وَقْتَ تَجَلِّي الْحَقِّ لِعَبْدِ مُخَاطَبَةٌ لَهُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَفْصٍ السهروردي: نَعَمْ يُمْكِنُ ذَلِكَ . فَقَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ: لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ وَأَظُنُّ الْكَلَامَ كَانَ فِي غَيْبَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ فَقِيلَ لِابْنِ عَرَبِيٍّ: إنَّ السهروردي يَقُولُ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ: مِسْكِينٌ نَحْنُ تَكَلَّمْنَا فِي مُشَاهَدَةِ الذَّاتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي مُشَاهَدَةِ الصِّفَاتِ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالسُّلُوكِ وَالطَّالِبِينَ لِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ - مَعَ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُتَابِعُونَ لِلرُّسُلِ وَأَنَّهُمْ مُتَّقُونَ لِلْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ - يَقُولُونَ هَذَا الْكَلَامَ وَيُعَظِّمُونَهُ وَيُعَظِّمُونَ ابْنَ عَرَبِيٍّ لِقَوْلِهِ مِثْلَ هَذَا وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ فِي الْإِلْحَادِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالِاتِّحَادِ ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الرَّبِّ عِنْدَهُ وُجُودٌ مُجَرَّدٌ لَا اسْمٌ لَهُ وَلَا صِفَةٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا لَهُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ وَلَا عِلْمٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُرَى ظَاهِرًا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مُتَجَلِّيًا فِي الْمَصْنُوعَاتِ وَهُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ وُجُودِ الْمَوْجُودَاتِ وَشَبَهِهِ ، وَتَارَةً بِظُهُورِ الْكُلِّيِّ فِي جُزْئِيَّاتِهِ كَظُهُورِ الْجِنْسِ فِي أَنْوَاعِهِ وَالنَّوْعِ فِي الْخَاصَّةِ كَمَا تَظْهَرُ الْحَيَوَانِيَّةُ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ والإنسانية فِي كُلِّ إنْسَانٍ . وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى غَلَطِ أَسْلَافِهِ"الْمَنْطِقِيِّينَ الْيُونَانِيِّينَ"حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ الْعَيْنِيَّةَ يُقَارِنُهَا جَوَاهِرُ عَقْلِيَّةٌ بِحَسَبِ مَا تَحْمِلُ لَهَا مِنْ الْكُلِّيَّاتِ فَيَظُنُّونَ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ