"الأول: أن تكون (ثمّ) في الروايات ليست على بابها و إنما هي بمعنى , (و) [1] , يعني أن الروايات المذكورة لم يرتبها الرواة ترتيبا متسلسل , بل ساق ما حدث في هذه الرحلة من أحداث , من غير ترتيب معين."
الاحتمال الثاني: أن يكون عرض الآنية وقع مرتين , مرّة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس , وسببه ما وقع له من العطش [2] , و مرّة عند وصوله عند سدرة المنتهى و رؤية الأنهار الأربعة" [3] "
بهذين الاحتمالين جمع الحافظ - رحمه الله.
وقال الحافظ ابن كثير [4] "و أمّا عرض الآنية عليه من اللبن و العسل , أو اللبن و الخمر , أو اللبن و الماء و أو بهم جميعا , فقد ورد أنه في بيت المقدس , وورد أنه في السماء , ويحتمل أن يكون ههنا و ههنا , لأنه كالضيافة للقادم , والله أعلم".
قلت (محمود) : يظهر من كلام الحافظين , أمور:
أولها: أن حادثة الإسراء وقعت مرّة واحدة , اذ لم يجمع أحد منهم بين الروايات بتعدد الواقعة.
الثاني: أن الجمع بأن حادثة عرض الآنية وقعت مرتين في نفس الرحلة , وارد جدا , ولا مانع منه اطلاقا .. خاصّة أن الحادثة نفسها , حادثة عرض الأواني , ثابتة , هذا ما لا يشكّ فيه أحد , والخلاف بين الروايات هل وقع هنا أو هناك .. في رأيي ليس بالمؤثر أبدا , كما أنه لا ريب في وقوعها , و لكن يختلف المكان أو الزمان بين الروايات على وقوعها , إذ لا ينفي مثل هذا الخلاف أبدا وقوع الحدث , وهذا هو المهم , و أهم من ذلك , المعنى وراء الحدث , وهو اختياره صلى الله عليه وسلّم لشرب اللبن و هدايته صلّى الله عليه وسلم أمته إلى الفطرة , فاللهمّ اجزه عنّا خير ما جزيت نبيا عن أمته .. آمين.
وإن أردت الترجيح , فرواية من روى أن الآنية عرضت ببيت المقدس , أولى , لأنها جاءت عن غير أنس , كما في حديث أبي هريرة و ابن عباس , و سيأتيان معنا ان شاء الله.
13 -قال الإمام الطبري في تفسيره [5] :
حدثنا أحمد بن أبي سريج [6] ، قال: ثنا أبو النضر [7] ، قال ثنا سليمان بن المُغيرة [8] ، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عَرَجَ بِي المَلَكُ; قال: ثُمَّ انتهَيْتُ إلى السِّدْرَةِ وأنا أعْرِفُ أنها سدْرَةٌ،"
(1) وهذا وجه في اللغة , وإن كان عليه اعتراضات , انظر"مغني اللبيب"لابن هشام ص 100 , ولكن هو وجه منها وان كان استعماله ليس بالكثير.
(2) يشير إلى رواية شداد بن أوس , وستأتي , ان شاء الله , وفيها"فصليت من المسجد حيث شاء الله , و أخذني من العطش أشد ما أخذني فأتيت بإناءين ... الحديث"وهي رواية ضعيفة.
(3) الفتح 7/ 103
(4) تفسير ابن كثير 3/ 23
(5) تفسير الطبري 27/ 57
(6) أحمد بن أبي سريج الرازي , هو بن الصباح النهشلي , أبو جعفر المقرئ , ثقة حافظ له غرائب , من العاشرة. تقريب.
(7) هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم , البغدادي , مشهور بكنيته و لقبه قيصر , ثقة ثبت من التاسعة , 207.تقريب.
(8) سليمان بن المغيرة القيسي مولاهم , البصري , أبو سعيد , ثقة ثقة , قاله يحيى بن معين , من السابعة , أخرج له البخاري مقرونا أو تعليقا. 165.تقريب.