صفحة رقم: 008
و احتجّ لهم من وافقهم على ذلك، بأنّ الظّلمة أقدم في المرتبة على النور، وأنّ النور طار على الظلمة، فالأقدم أولى بأن يبتدأ به؛ وغلّبوا السّكون لذلك على الحركة، بإضافة الراحة والدّعة اليه؛ وأنّ الحركة لحاجة وضرورة، والتّعب عقيب الضرورة، فالتعب نتيجة الحركة؛ وبأنّ السكون اذا دام في الاسطقسات مدّة، لم يولّد فسادا؛ فاذا دامت الحركة فيها واستحكمت، أفسدت؛ وذلك كالزّلازل والعواصف والأمواج، وأشباهها. فأمّا عند غيرهم من الرّوم والفرس، ومن وافقهم، فإنّ الاصطلاح واقع بينهم على أنّ اليوم بليلته، هو من لدن طلوعها من أفق المشرق الى طلوعها منه كالغد 1، إذ كانت شهورهم مستخرجة بالحساب، غير متعلّقة بأحوال القمر ولا غيره من الكواكب؛ وابتداؤها من أوّل النهار، فصار النهار عندهم قبل الليل؛ واحتجّوا بأنّ النّور وجود والظلمة عدم؛ وتقدّموا 2 النور على الظلمة، يقولون بتغليب الحركة على السكون، لأنّها وجود لا عدم وحياة لا موت؛ ويعارضونهم بنظائر ما قاله اولئك كقولهم: أنّ السّماء أفضل من الأرض، وأنّ العامل والشّابّ أصحّ، والماء الجارى لا يقبل عفونة كالرّاكد.
و أمّا أصحاب التنجيم، فإنّ اليوم بليلته عند جلّهم، والجمهور من علمائهم، هو من لدن موافاة الشمس فلك نصف النّهار، الى موافاتها ايّاه في نهار الغد؛ وهو قول بين قولين، فصار ابتداء الأيّام بلياليها عندهم، من النّصف الظاهر من فلك نصف النّهار؛ وبنوا على ذلك حسابهم في الزّيجات، واستخرجوا عليه 3 مواضع الكواكب بحركاتها المستوية 4، ومواضعها المقوّمة في دفاتر السنة. وبعضهم آثر النّصف الخفىّ من فلك نصف النهار، فابتدأ بهما من نصف الليل، كصاحب زيج شهرياران الشاه ولا بأس بذلك، فإنّ المرجع الى أصل واحد. والذى دعاهم الى اختيار دائرة نصف النّهار دون دائرة الأفق، هو أمور كثيرة منها أنّهم، وجدوا الأيّام بلياليها مختلفة المقادير غير متّفقة، كما يظهر ذلك من اختلافها عند الكسوفات، ظهورا بيّنا للحسّ وكان ذلك من أجل اختلاف مسير الشمس في فلك البروج، وسرعته فيه مرّة وبطئه أخرى؛ واختلاف مرور القطع من فلك البروج على الدّوائر، فاحتاجوا الى تعديلها لإزالة ما عرض لها من الاختلاف.
و كان تعديلها بمطالع فلك البروج على دائرة نصف النّهار، مطّردا في جميع المواضع، إذ كانت هذه
1). داد / طز: بالغد.
2). داد / طز: مقدّمو، توپ: قدّموا.
3). هن: عليها.
4). عس / توپ: في.