صفحة رقم: 009
الدائرة بعض آفاق الكرة المنتصبة، وغير متغيّرة اللّوازم في جميع البقاع من الأرض؛ ولم يجدوا ذلك في دوائر الآفاق، لاختلافها في كلّ موضع، وحدوثها لكلّ واحد من العروض، على شكل مخالف لما سواه، وتفاوت مرور القطع من فلك البروج عليها، والعمل [بها] 1 غير تامّ ولا جار على نظام.
و منها أنّه ليس بين دوائر أنصاف نهار البلاد، الاّ ما بينها من دائرة معدّل النّهار والمدارات المشتبهة 2 بها. فإنّ ما بينها متركّب من ذلك، ومن انحرافها الى الشّمال والجنوب؛ وتصحيح أحوال الكواكب ومواضعها، إنّما هو بالجهة التى تلزم من فلك نصف النهار، وتسمّى الطّول، ليس له حظّ في الجهة الأخرى اللازمة من الأفق، وتسمّى العرض. فلأجل هذا اختاروا الدائرة التى تطرّد عليها حسباناتهم، وأعرضوا عن غيرها، على أنّهم لو راموا العمل بالآفاق، لتهيّأ لهم ولأدّتهم الى ما أدّتهم اليه دائرة نصف النهار، لكن بعد سلوك المسلك البعيد؛ وأعظم الخطاء هو تنكّب الطريق المستقيم، الى البعد الأطول على عمد. هذا هو الحدّ الذى نحدّ به اليوم على الإطلاق، اذا اشترط الليلة في التركيب. فأمّا على التقسيم والتفصيل، فإنّ اليوم بانفراده والنهار بمعنى واحد، وهو من طلوع جرم الشمس الى غروبه، والليل بخلاف ذلك وعكسه بتعارف من الناس قاطبة، فيما بينهم ذلك واتّفاق من جمهورهم لا يتنازعون فيه، إلاّ أنّ بعض علماء الفقه في الإسلام حدّ أوّل النهار بطلوع الفجر، وآخره بغروب الشمس، تسوية منه بينه وبين مدّة الصّوم، واحتجّ فيه بقوله - تعالى: وكُلُوا واشْرَبُوا، حَتّاى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ، مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّياامَ إِلَى اللَّيْلِ 3، فادّعى أنّ هذين الحدين هما طرفا النهار.
و لا تعلّق لمن رأى هذا الرّأى، بهذه الآية بوجه من الوجوه؛ لأنّه لو كان أوّل الصوم أوّل النهار، لكان تحديده ما هو ظاهر بيّن للنّاس، بمثل ما حدّه به جاريا مجرى التكلّف لما لا معنى له؛ كما لم يحدّ آخر النهار وأوّل الليل 4 بمثل ذلك، اذ هو معلوم متعارف لا يجهله أحد؛ ولكنّه - تعالى - لمّا حدّ أول الصوم بطلوع الفجر، ولم يحدّ آخره بمثله، بل أطلقه بذكر الليل فقط، لعلم الناس بأسرهم أنّه غروب قرص الشمس، علم أن المراد بما ذكر في الأوّل، لم يكن مبدأ النهار. و
1). عس / توپ: -.
2). عس / توپ: الشبيهة.
3). قرآن، 183/ 2.
4). توپ: النهار.