الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا}
فِيهِ جَوَازُ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُقَلِّلُونَهُ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مَا أَصْدَقَ قَطُّ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا مِنْ بَنَاتِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً فَقَامَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ، يُعْطِينَا اللَّهُ وَتَحْرُمُنَا أَنْتَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} فَقَالَ عُمَرُ امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَأَمِيرٌ أَخْطَأَ"."
وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ مِثْلُهُ إلَى قَوْلِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، زَادَ: فَإِنَّ الرَّجُلَ يُغَلِّي بِالْمَرْأَةِ فِي صَدَاقِهَا. فَتَكُونُ حَسْرَةٌ1 فِي صَدْرِهِ فَيَقُولُ: كُلِّفْت إلَيْكَ عِرْقَ الْقِرْبَةِ. قَالَ: فَكُنْت غُلَامًا مَوْلُودًا لَمْ أَدْرِ مَا هَذَا؛ قَالَ: وَأُخْرَى يَقُولُونَ لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ هَذِهِ: قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ وَأُفْرِدَ2 دُونَ رَاحِلَتِهِ أَوْ أَعْجَزَهَا بِطَلَبِ النَّجَاةِ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مَاتَ فَلَهُ الْجَنَّةُ".
وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عُمَرُ عَلَى طَرِيقِ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّدْبَ إلَى التَّعْلِيمِ؛ وَقَدْ تَنَاهَى النَّاسُ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى بَلَغَ صَدَاقُ امْرَأَةٍ أَلْفَ أَلْفٍ، وَهَذَا قَلَّ أَنْ يُوجَدَ مِنْ حَلَالٍ.
وَقَدْ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ رَجُلٍ غَالَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ أَيَرُدُّهُ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: لا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ إلَى عَلِيٍّ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتَهُ مِنْ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: إنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"إنَّ كُلَّ نَسَبٍ وَصِهْرٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا نَسَبِي وَصِهْرِي فَلِذَلِكَ رَغِبْت فِي مِثْلِ هَذَا". فَقَالَ عَلِيٌّ: إنِّي أُرْسِلُهَا حَتَّى تَنْظُرَ إلَى صِغَرِهَا، فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي يَقُولُ: هَلْ رَضِيت الْحُلَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ رَضِيتهَا,فَأَنْكَحَهَا عَلِيٌّ فَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَرُوِيَ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ3 أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ".
وَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ:"أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ"؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ:"أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا"؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَزَوَّجَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكْتُبْ لَهَا صَدَاقًا وَلَا أَعْطَاهَا شَيْئًا، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَلَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَنِي فُلَانَةَ،
1 في أ: خبيرة: وهو تحريف.
2 في أ:روأوقر دفء راحلته أو أعجزها بطلب التجارة. ونراه تحريفا. والمثبت من ل.
3 في م: بن عمران.