المسألة الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إنْ وَلَّوْا قَاضِيًا، وَأَخَذُوا زَكَاةً، وَأَقَامُوا حَقًّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ جَازَ؛ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ جَائِزٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ مِمَّنْ1 لَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانُوا2 بُغَاةً.
الْعُمْدَةُ لَنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [فِي خُرُوجِهِمْ] 3 لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرًا، وَلَا ذَفَّفُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا قَتَلُوا أَسِيرًا، وَلَا ضَمِنُوا نَفْسًا وَلَا مَالًا، وَهُمُ القُدْوَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا انْجَلَتْ الْفِتْنَةُ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِالْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ لَمْ يَعْرِضُوا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَمَّا انْجَلَتْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْبَاغِي، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَرِضُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَهْلُ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ4 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إمَامٌ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمْ حُكْمٌ!.
قُلْنَا: وَلَا سَمِعْنَا أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ؛ وَإِنَّمَا كَانُوا5 فِتْنَةً مُجَرَّدَةً، حَتَّى انْجَلَتْ مَعَ الْبَاغِي لَسَكَتَ6 عَنْهُمْ لِئَلَّا يُعَضِّدَ بِاعْتِرَاضِهِ مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 في أ: من.
2 في أ: كما لو لم يكونوا بغاة.
3 من ش.
4 في ش: فأهل حروراء والنهروان.
5 في ش: كانت.
6 في ش: سكت.