وقوله: (وغيرها عزيمة النبي) يعني أن ما سوى الرخصة فهو عزيمة ما لم يتغير أصلا أو تغير إلى صعوبة أو إلى سهولة لا لعذر أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي هذا مراده ولا يصح على إطلاقه لما علمت من أن التغيير إلى أصعب أو مساو أو إلى أسهل مع عدم قيام سبب الأصلي كلها قد يكون نسخا، فالتحقيق وجود الواسطة بين الرخصة والعزيمة والرخصة لغة: من الرخص وهو اللين الناعم والعزيمة لغة: القصد المصمم.
88 وتلك في المأذون جزما توجد = وغيره فيه لهم تردد
يعني أن الرخصة تكون في المأذون بلا نزاع ومراده بالمأذون ما لم ينه عنه مطلقا وذلك هو الواجب والمندوب والجائز ومراد المؤلف أن فعل الرخصة يكون واجبا ومندوبا وجائزا بلا نزاع ومثال الرخصة الواجبة: أكل المضطر الميتة إذا خاف الهلاك فهو واجب لوجوب حفظ النفس من الموت ومثال المندوب: قصر الصلاة في السفر فهي رخصة مسنونة والإفطار في السفر عند من يرى الندبية ومثال الجائزة: السلم الذي هو بيع موصوف في الذمة وقوله: (وغيره فيه لهم تردد) يعني أن غير المأذون وهو المكروه بقسيمة والحرام هل يكون متعلق الرخصة أم لا؟ ومن هنا اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يرخص له في قصر الصلاة وأكل الميتة وفي جواز التيمم في السفر المكروه؟ والصحيح عند المالكية هو ما رجحه سند والقرطبي وابن عبد السلام وابن مرزوق من الجواز مطلقا.
89 وربما تجي لما أخرج من = أصل بمطلق امتناعه قمن
يعني أن الرخصة ربما أطلقت على ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع كضرب الدية على العاقلة فإنه مستثنى من أصل هو {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فهو أصل كلي يقتضي منع تغريم العاقلة جناية غيرها لكنه استثني من هذا الأصل فمثله قد تطلق عليه الرخصة وكبيع العرية ونحو ذلك.
وقول المؤلف: (قمن) نعت لقوله: (أصل) وقوله: (بمطلق امتناعه) متعلق بـ (قمن) بمعنى جدير وتقريره: ما أخرج من أصل جدير بامتناع ذلك المخرج لو لم يخرجه الشرع ومراده بالإطلاق سواء كان الإخراج لعذر شاق أم لا فالعذر الشاق كخوف الموت إن لم يأكل الميتة والعذر الغير الشاق كالسلم وضرب الدية على العاقلة ونحو ذلك.
90 وما به للخبر الوصول = بنظر صح هو الدليل
يعني أن الدليل في اصطلاح الأصوليين هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري فقولهم يمكن يفهم منه أنه يسمى دليلا ولو لم ينظر فيه فالعبرة بالإمكان لا بالإطلاق والمراد بالخبري ما يتضمن نسبة خبرية كجملة فعلية أو اسمية واحترز به من غير الخبري فإن الموصل إلى غير الخبري هو المعروف بالمعرفات وهي الحدود والرسوم والنظر يأتي له تعريفه.
واحترز بقوله: (صح) من الفاسد إذ لا يمكن التوصل به إلى المطلوب والدليل في اللغة فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهي الإرشاد واصطلاحا: فهم أمر من أمر أو كون أمر بحيث يفهم منه أمر فهم أو لم يفهم ولا يكون الدليل عند الأصوليين إلا مركبا.
91 والنظر الموصل من فكر إلى = ظن بحكم أو لعلم مسجلا
يعني أن النظر في الاصطلاح هو الفكر المؤدي إلى علم أو ظن فإن كانت المقدمات يقينية أفاد العلم وإن كانت ظنية أفاد الظن والفكر حركة النفس في المعقولات أما حركتها في المحسوسات فتخييل فـ (من) من قوله: (من فكر) بيانية