النوع الأول والثاني
المكي والمدني
هذان النوعان مهمان عظيما الفائدة في الأحكام، إذ يعرف بذلك تأخير الناسخ عن منسوخه، وقد وضع العلماء في ذلك مصنفات، وكتب التفسير مشحونة في أوائل السور بذكر ذلك، وكذلك المصاحف.
واختلف الناس في الاصطلاح في ذلك، والمشهور أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني، سواء نزل بمكة أو بالمدينة أو في سفر من أسفار النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من جعل المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة.
والأول هو الذي عليه الجمهور.
ويؤيد الأول إجماعهم على أن المائدة مدنية، وفيها نزل في حجة الوداع يوم الجمعة بعرفات، وهو قوله - تعالى - {اليوم أكملت لكم دينكم} ، على ما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، فقوي بذلك أن كل ما نزل بعد الهجرة مدني سواء نزل
بالمدينة أو في السفر أو في مكة. وإنما يوسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة.
وقيل: المدني خمس وعشرون سورة، البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة والرعد والحج والنور والأحزاب والقتال والحجرات والحديد إلى تمام عشر سور بعدها آخرهن التحريم، والقيامة والزلزلة والنصر، ومن عد هذا لم يذكر الفتح، وهي نازلة في السفر في عمرة الحديبية، على ما في الصحيح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: (( نزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) )، ثم قرأ: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} .
فكأن من عد ذلك مشى علي أن المدني ما نزل بالمدينة.
وفي سورة الفتح أمثلة لأنواع، منها:
أنها ليلة سفرية، ففي لفظ الحديث السابق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه معه ليلا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، قال عمر: فحركت بعيري وتقدمت أمام القوم، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: (( قد أنزلت علي الليلة سورة ) ). الحديث. وقد كتبت في المصاحف مدنية.
واختلف في سورة الفاتحة، فقيل: مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وفي بعض ما ذكر خلاف:
ففي البقرة، قيل: إنها مدنية إلا خمس آيات.
منها: قوله - تعالى -: {ليس عليك هداهم} .
وقوله: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} فإنها نزلت بمكة.
وقوله: {آمن الرسول بما أنزل} نزلت بمنى، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها نيفا وثمانين يوما، وقيل: تسعة أيام.
وهي آخر آية نزلت في قول ابن عباس رضي الله عنهما.
وقوله: {آمن الرسول بما أنزل} إلى آخرها، نزلت يوم فتح مكة، وهذا الاستثناء على الاصطلاح الثاني، وعلى الاصطلاح الأول لا يستثنى إلا الآيتان الأولتان.
وأما النساء فقيل: هي مكية، وقال الجمهور: مدنية، إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في شأن عثمان بن طلحة، وهي قوله - تعالى:
{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وهذا الاستثناء على الاصطلاح الثاني، وقيل: نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
وصح عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - تعني أنه بنى بها -.
ومنهم من استثنى: {ويستفتونك في النساء} فإنها نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري بمكة، وهذا الاستثناء - أيضا - على الاصطلاح الثاني.
وقد قيل: إن المائدة مدنية إلا الآية النازلة بعرفات، وهذا - أيضا - على الاصطلاح الثاني.
وتكلم على سورة الأنعام، روي أنها مكية كلها، وشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتحميد، فدعى النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها في ليلتهم.