بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
لقد كان بناءُ منهجٍ علميٍ قويٍ لتعيين الرواة في موسوعة جامع الحديث النبوي أمرًا على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية ، ذلك أنَّ تمييز الرواة - ذلك الفن الدقيق - كان ولا يزال يمثّل جانبًا من أهم جوانب علم الحديث الشريف ، كيف لا وإنما يتوقف تمييز الصحيح من السقيم من الروايات أول ما يتوقف على التمييز الصحيح والتحديد الدقيق للرواة ، ولطالما زلَّت أقدام البعض قديمًا وحديثًا من علماء لهم شأْنُهم ووَزْنُهم العلمي في مواطن دقيقة من هذا الفن ، الذي يحتاج إلى جميع الأدوات الممكنة من حيث سعة الحفظ والاستحضار والاستيعاب ، والضبط والإتقان ، وسائر الملكات النقدية الدقيقة التي تجعل المحدِّث يدرك الصواب ويوجِّه الخطأ حتى ولو كان ذلك خلافًا لظاهر النص بين يديه .
ولعل من الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل (16)
قال:(سمعت أبي يقول وقيل له: إن عبد الجبار بن العلاء روى عن مروان الفزاري عن ابن أبي ذئب فقال أبي قد نظرت في حديث مروان بالشام الكثير فما رأيت عن ابن أبي ذئب أصلًا ، فقال له أبو يحيى الزعفراني: أنكَرَ عَلَيَّ أبو زرعة كما أنكرتَ ، فحملت إليه كتابي وأريته فجعل يتعجب .
قال أبو محمد: اتفقا في الإنكار على عبد الجبار بن العلاء روايته عن مروان عن ابن أبي ذئب من غير تواطؤ لمعرفتهما بهذا الشأن ).