الصفحة 2 من 87

ومن الأمثلة الواضحة كذلك على أهمية تمييز الرواة كَعِلْمٍ له قواعده وأدواته ومَلَكَاته ، ما ذكره الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري من قصته مع شيخه الأخرم حينما سأله ـ على سبيل الاختبار ـ عن أحد الرواة في أحد الأسانيد ، وكيف أن أبا عبد الله الحاكم قد جافاه النوم في ليلته هذه ، يقلِّب الأمر حتى وفقه الله إلى التعيين الصحيح للراوي ، وأن شيخه عجب من قدرته على التوصل إلى التعيين الصحيح من غير أن يطالع بعض الكتب المحددة التي كان يصعب عليه أن يصل إلى الصواب بدون الرجوع إليها .

والكلام عن معرفة وتمييز وتحديد وتعيين الرواة يستلزم بالضرورة التطرق إلى الكلام عن الجمع والتفريق بين الرواة ، فلا ريب أن فن الجمع والتفريق بين الرواة منبثق عن فن تمييز الرواة، ومتفرع منه، ومترتب عليه ، ولهذا نجد أن عددًا من العلماء الكبار من المتقدمين والمتأخرين قد وقعت لهم مآخذ في هذا الشأن ، كما وقعت كذلك من بعضهم في تمييز بعض الرواة في بعض الأسانيد.

ولعِظَم هذا الأمر ، وكذلك للضرر المترتب على الخطأ في هذا الباب ، ألَّف جماعة من العلماء عدة مؤلفات تزيل اللبس، والإشكال عن اختلاط الرواة على أهل العلم، والاختصاص فضلًا عن غيرهم .

فمنها: كتاب"مشتبه أسامي المحدثين"للهروي ، ومنها:"المتفق والمفترق"للخطيب البغدادي، ومنها:"موضح أوهام الجمع والتفريق"للخطيب كذلك ، وغيرها مؤلفات عديدة في هذا الشأن ، وكذلك مؤلفات أخرى تتناول تمييز الرواة بأشكال مختلفة كبيان الرواة المبهمين سواء في المتن أو الإسناد ، أو الرواة الذين تشتبه أسماؤهم أو أنسابهم إما خطًّا ورسمًا وإما لفظًا ، وغير ذلك من الموضوعات العديدة المذكورة في كتب علوم مصطلح الحديث ، والتي الغرض منها معرفة الرواة ، والقدرة على التمييز بينهم بشتى الطرق .

قال الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه"موضح أوهام الجمع والتفريق":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت