الصفحة 97 من 216

قتل النساء والولدان والشيوخ

قد بينا من قبل أن الإسلام لا يقتل إلا المقاتلة، أو الذين يمدون المشركين وأعداء الإسلام بمال أو برأي، لأن الآية: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم .... ) (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ... ) .

والمقاتلة: مفاعلة في المشاركة من الجانبين، فمن قتل أو اشترك بوسيلة ما في القتال فإنه يقتل ويقاتل، وإلا فلا حاجة إلى قتله.

ولذا فلا حاجة لقتل النساء لضعفهن إلا إذا قاتلن، ولا لقتل الأطفال، ولا الرهبان عن قصد، إلا إذا اختلطوا بالمشركين، ولم نستطع أن نضرب المشركين المقاتلين منفردين، فهنا نضرب المشركين ولا نقصد الضعفة.

إن التنكيل بالذرية والضعفة يورث الأحقاد لأجيال كثيرة، ويسطره التاريخ بمداد الدموع والدماء لتتناقله الأجيال جيلا بعد جيل، وهذا الذي لا يريده الإسلام.

إن الإسلام يريد أن يحبب الناس به، ويريد أن يحبب الله ورسوله ودينه إلى الناس، ولكن الإسلام في نفس الوقت لا يربت على شهوات الناس، ولا يغير منهاجه إرضاء لأهوائهم:

(ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) (المؤمنون: 171)

وقد اختلفت آراء العلماء في هذه القضية على مذاهب:

المذهب الأول: لا يجوز قتل النساء والولدان بأي حال: (وهو مذهب مالك والأوزاعي) حتى لو تترس الكفار بأطفالهم ونسائهم لا يجوز رميهم، ولو تحصنوا في حصن ومعهم ذريتهم لا يجوز رميهم بالمنجنيق وغيره.

المذهب الثاني: لا يقصد الضعفة بالقتل إلا إذا قاتلوا أو اختلطوا بالمقاتلين بحيث لا نستطيع مقاتلة بدون قتلهم، وهذا رأي الشافعية والحنفية.

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية (14) : (ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا في غيرها مالم يقاتلوا، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم) .

قال السرخسي في المبسوط (01/ 13) : ولا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها، وكذلك لا يمنع تحريق حصونهم بكون الأسير المسلم فيها، ولكن يقصدون المشركين.

ويجوز قتل الشيخ الكبير إن كان ذا رأي، كما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري على قتل (دريد بن الصمة) وقد تجاوز المائة -والحديث في الصحيحين.

ولا يقتل الأعمى ولا المقعد ولا المعتوه من الأسارى لأنه إنما يقتل من يقاتل (والمقاتلة من الجانبين) ، ولا بأس بإرسال الماء إلى مدينة أهل الحرب وحرقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين ... ، ويحل رميهم وإن تترسوا بأطفال المسلمين، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم العلة في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود، وإن كان فيه مقال بسبب المرقع بن صفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل إذن العلة في القتل والمقاتلة، فمن كان من أهل القتال قتل وقوتل.

ومدار خلاف الأئمة حول الأحاديث المتعارضة ظاهرا:

فمالك: أخذ بعموم النص، نص ابن عمر رضي الله عنهما -قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان) (1) [رواه الجماعة إلا النسائي -نيل الأوطار7/ 246] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت