6 -إقامة القاعدة الصلبة لدار الإسلام:
إن إقامة المجتمع المسلم فوق بقعة أرض ضرورية للمسلمين، ضرورة الماء والهواء، وهذه الدار لن تكون إلا بحركة إسلامية منظمة تلتزم الجهاد واقعا وشعارا وتتخذ القتال لحمة ودثارا.
وإن الحركة الإسلامية لن تستطيع إقامة المجتمع المسلم إلا من خلال جهاد شعبي عام، تكون الحركة الإسلامية قلبه النابض وعقله المفكر، وتكون بمثابة الصاعق الصغير الذي يفجر العبوة الناسفة الكبيرة، فالحركة الإسلامية تفجر طاقات الأمة الكامنة وينابيع الخير المخزونة في أعماقها.
فالصحابة رضوان الله عليهم كان عددهم قليلا جدا بالنسبة لمجموع عامة المسلمين الذين قوضوا عرش كسرى وثلوا مجد قيصر.
بل إن القبائل المرتدة عن الإسلام في أيام الصديق قد سيرهم عمر بن الخطاب -بعد أن أعلنوا توبتهم- إلى قتال الفرس، ولقد أصبح طلحة بن خويلد الأسدي -الذي ادعى النبوة من قبل- أحد أبطال القادسية البارزين، واختاره سعد بمهمة استكشاف أخبار الفرس فأبدى شجاعة فائقة.
أما الحفنة من الضباط التي يمكن أن يتوهم البعض أن بإمكانهم عمل مجتمع مسلم، فهذا ضرب من الخيال أو وهم يشبه المحال لا يعدوا أن يكون تكرارا لمأساة عبد الناصر مع الحركة الإسلامية مرة أخرى.
والحركة الشعبية الجهادية مع طول الطريق ومرارة المعاناة وضخامة التضحيات وفداحة الأرزاء، تصفى النفوس فتعلوا على واقع الأرض الهابط، وترتفع الإهتمامات عن الخصومات الصغيرة على دراهم، وعن الأغراض القريبة، وسفاسف المتاع وتزول الأحقاد وتصقل الأرواح، وتسير القافلة صعدا من السفح الهابط إلى القمة السامقة بعيدا عن نتن الطين وصراع الغابات.
وعلى طول طريق الجهاد تفرز القيادات، وتظهر الكفاءات من خلال العطاء والتضحية، ويبرز الرجال شجاعتهم وبذلهم.
ولا تحسبن المجد زقا ... وقينة ... فما المجد إلا الحرب والفتكة البكر
ومع ارتفاع الإهتمامات ترتفع النفوس عن الصغائر، وتصبح الأمور العظيمة غاية القلوب وأمل الشعوب.
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن الجبن عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وطبيعة المجتمعات كالماء تماما، ففي الماء الراكد تطفو على السطح الطحالب والأعفان، أما الماء المتحرك فلا يحمل العفن فوقه، والقيادات في المجتمعات الراكدة لا يمكن أن تكون على قدر المسؤولية، لأنها لا تبرز من خلال الحركة والتضحية والبذل والعطاء، فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ما برزوا إلا من خلال الأعمال الجليلة والتضحيات الباهظة، ولذا لم يكن أبو بكر بحاجة إلى دعاية إنتخابية عندما أجمعت الأمة على انتخابه، فما أن فاضت روح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في الجنة تطلعت العيون إلى الساحة فلم تجد أفضل من أبي بكر رضي الله عنه.
والأمة التي تجاهد تبذل الثمن غاليا فتجني الثمرة الناضجة، ليس من السهل أن تفرط فيما جنته بالعرق والدم، وأما الذين يتربعون على صدور الناس من خلال البيان الأول في انقلاب عسكري صنع وراء الكواليس في سفارة من السفارات، يسهل عليهم التفريط بكل شيء.