الصفحة 196 من 216

ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم.

وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكن غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم.

فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتلها سقط الفرض عن الآخرين.

ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا).

وما أجمل أبيات النابغة الجعدي وهو يخاطب زوجته التي ترجوه أن يجلس عند عائلته:

باتت ... تذكرني ... بالله قاعدة ... والدمع يهطل من شأنيهما (1) [شأنيهما: طريقا الدمع، سبلا: غزيرا] . سبلا

يا بنت عمي كتاب الله ... أخرجني ... كرها وهل أمنعن الله ما ... فعلا

فإن رجعت فرب الخلق ... أرجعني ... وإن لحقت بربي فابتغي ... بدلا (2) [فابتغي بدلا: تزوجي غيري] .

ما كنت أعرج أو أعمى ... فيعذرني ... أو ضارعا من ضنى لم يستطع حولا (3) [ضارعا من ضنى: ضغيفا من مرض] .

5 -اتباع للسلف الصالح:

فقد كان الجهاد دينا للسلف الصالح، وكانصلى الله عليه وسلمسيدا للمجاهدين وقائدا للغر الميامين، فكانوا إذا اشتد الوطيس يحتمون برسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أقربهم إلى العدو، وعدد مغازيه صلى الله عليه وسلم التي خرج بنفسه فيها سبع وعشرون، وقاتل في تسع منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف وهذا على قول من قال: مكة فتحت عنوة، وكانت سراياه التي بعثها سبعا وأربعين، وقيل أنه قاتل بني النضير. (4) [نهاية المحتاج 8/ 16] .

وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في غزوة أو يرسل سرية في كل شهرين أو أقل.

وسار الصحب الكرام على سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فلقد كان القرآن الكريم يربي هذا الجيل تربية جهادية ويحميهم من أن ينغمسوا في الدنيا كما يحمي أحدنا لديغه من الماء، فلقد روى الحاكم في المستدرك (2 - 275) وصححه ووافقه الذهبي، عن أسلم أبو عمران قال: حمل رجل من المهاجرين -بالقسطنطينية- على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد أثرناه على الأهلين، والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلنا وأولادنا فنقيم فيها، فنزل فينا:

(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195)

فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.

وقد روى عكرمة أن ضمرة بن العيص وكان من المستضعفين في مكة وكان مريضا، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني فهيء له فراش ثم وضع عليه وخرج فمات في الطريق بالتنعيم -على بعد (6 كم) من مكة (5) [القرطبي/249] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت