الصفحة 194 من 216

إن الضعف ليس عذارا عند رب العالمين، بل هو جريمة يستحق صاحبها جهنم، وقد أعذر الله الطاعنين في السن والأطفال الصغار والنساء الذين لا يجدون حيلة للتخلص، ولا يعرفون الطريق إلى أرض العزة ولا يستطيعون الهجرة إلى دار الإسلام ولا الوصول إلى قاعدة الجهاد.

سأصرف وجهي عن بلاد غدا بها ... لساني معقولا ... وقلبي مقفلا

وأن صريح الحزم والرأي لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا

إن الجهاد والهجرة إلى الجهاد جزء أصيل لا يتجزء عن طبيعة هذا الدين، والدين الذي ليس فيه جهاد لا يستطيع أن يثبت فوق أي أرض ولا أن تستوي شجرته على سوقها، وأصالة الجهاد التي هي من صميم هذا الدين ولها وزنها في ميزان رب العالمين ليست ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة التي تنزل فيها القرآن، وإنما هو ضرورة مصاحبة لهذه القافلة التي يوجهها هذا الدين.

يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال (2 - 742) في تفسير هذه الآية: لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب الله في مثل هذا الأسلوب! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مثل هذا الأسلوب.

لو كان الجهاد ملابسة طاردة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة لكل مسلم إلى قيام الساعة من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق. (1) [رواه مسلم عن أبي هريرة] .

إن الله سبحانه يعلم أن هذا أمرا تكرهه الملوك! ويعلم أن لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه لأنه طريق غير طريقهم ومنهج غير منهجهم، ليس في ذلك الزمن فقط ولكن اليوم وغدا وفي كل أرض وفي كل جيل!.

وأن الله سبحانه يعلم أن الشر متبجح، ولا يمكن أن يكون منصفا ولا يمكن أن يدع الخير ينمو مهما يسلك هذا الخير من طرق سليمة موادعة، فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطر على الشر ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل، ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة! هذه جبلة! وليست ملابسة وقتية، هذه فطرة! وليست حالة طارئة.

ومن ثم لا بد من الجهاد .. لا بد منه في كل صورة ... ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود .. ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح ... ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة ... وإلا كان الأمر انتحارا أو كان هزلا لا يليق بالمؤمنين.

أنا لا ألوم المستبد إذا تجبر أو تعدا ... فسبيله أن يستبد وشأننا أن نستعدا

4 -الإستجابة للنداء الرباني:

قال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (التوبة: 41)

وقد أورد القرطبي في تفسيره (8 - 150) في تفسيرها عشرة أقوال خفافا وثقالا:

1 -روي عن ابن عباس شبانا وكهولا.

2 -روي عن ابن عباس وقتادة نشاطا وغير نشاطا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت