الصفحة 102 من 216

الثاني: ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم ينتفعون ببقائه لعلو منهم، أويستظلون به، أو يأكلون من ثمره، أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين عدونا، فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا، فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين.

الثالث: ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه للمسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه روايتان.

أحدهما: لا يجوز .. لحديث أبي بكر ووصيته، وقد روي نحو ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن فيه إتلافا محضا، فلم يجز كعقر الحيوان، بهذا قال الأوزاعي والليث وأبو ثور.

والرواية الثانية: يجوز .. بهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر.

قال إسحق: التحريق سنة إذا كان أنكى في العدو لقول الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) .

وروى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهو البويرة، فأنزل الله تعالى: (ما قطعتم من لينة) ، (متفق عليه) ، ولها يقول حسان:

وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير

ويرى مجموعة من الفقهاء كراهية قطع الشجر المثمر مثل الأوزاعي وأبي ثور، واستدلوا بعموميات لا تقف أمام نصوص الجمهور، منها:

أ. قوله تعالى في سورة البقرة: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) .

ب. وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان: عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان .... فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا ولا تخرب عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه ولا تغلل ولا تخبن (1) [رواه مالك في الموطأ -نيل الأوطار 7/ 249] . الخبنة: ما تحمله في حضنك، وفي الحديث: (ولا يتخذ خبنة) -أ. ه-المختار-.

وهذا الأثر مرسل، إذ أن يحيى لم يدرك أبا بكر، ولو كان متصلا صحيحا فإنه لا يقف أمام فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أحرق نخل بني النضير كما مر في الصحيحين، لأنه إذا تعارض كلام الصحابي مع الحديث المرفوع يقدم الحديث المرفوع.

وأما الآية الكريمة فهي تتكلم عن الإفساد في الأرض، ومن يستطيع الإدعاء أن قطع الجيش المسلم للشجر المثمر إفساد في الأرض، فإذن ماذا نسمي قتل الجيش الإسلامي للأطفال والنساء والشيوخ عند الحاجة?!

إن الجهاد ذاته إتلاف لنفوس صفوة البشر وخيار الناس من المؤمنين والمسلمين للحفاظ على الدين، لأنه إذا تعارض حفظ الدين وحفظ النفس، فحفظ الدين أولى ... ولذا يقتل المرتد.

ولذا فالجهاد نفسه تعزير بالنفس، ألا ترى أن الغلام قتل نفسه من أجل نشر الدين?

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (82/ 054) : (إن الغلام أمر بقتل نفسه من أجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين) .

جاء في أحكام الجصاص (1/ 2621) : قال محمد بن الحسن في السير الكبير: (لو أن رجلا حمل على ألف رجل وحده لم أر بذلك بأسا إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك، لان هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت