قال عبد الرحمان بن مهدي الإمام (ت 198) ،"لأن أعرف علّة حديث هو عندي أحب إليّ من أن أكتب عشرين حديثا ليس عندي" (3) .
وهذا العلم لا يتمكن منه إلاّ أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا لم يتكلم فيه إلاّ القليل، كعلي بن المديني (ت 234) وأحمد بن حنبل (ت 241) ومحمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256) ويعقوب بن شيبة (ت 262) وأبي حاتم محمّد
ابن إدريس الرازي (ت 277) وأبي زرعة عبيد الله ابن عبد الكريم الرازي (ت 264) وأبي الحسن علي بن عمر الدار قطني (ت 385) وبه ختم معرفة العلل (4) .
وهذا العلم إلهام خصّ الله تعالى به أولئك الأئمة النقاد. قال الإمام عبد الرحمان ابن مهدي (ت 198) : معرفة علل الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلّل الحديث من أين قلت هذا لم يكن له حجة"."
فهذا العلم ذوق. فلو أنّ رجلا سئل عن مذاق العسل، لقصرت عباراته في بيانه. وكلّ لسانه عن مبلغ غايته . فعن محمّد بن صالح الكيليني قال سمعت أبا زرعة وقال له رجل: ما الحجّة في تعليلكم الحديث؟
قال: الحجّة أن تسألني عن حديث له علّة، فأذكر علته، ثمّ تقصد ابن وارة يعني محمّد بن مسلم ابن واراة وتسأله عنه. ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثمّ تميّز كلام كل منا، على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أنّ كلاّ منّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أنّ هذا العلم إلهام .
وقيل لعبد الرحمان بن مهدي رحمه الله إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت. فعمن تقول ذلك؟ فقال، أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال: هذا جيّد وهذا بهرج رديء أكنت تسأله عمن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم