فأي هوى نفس أعظم من هذا؟ فإما أن يكون ورَّى في يمينه، أو: استثنى غير الرواة، فيقال له: فلِم ذكرت غيرهم؟ وإما أن يكون اعتقد أن هذا ليس هوى نفس.
ثم تنطع وتعصب التاج للأشاعرة المؤولة، والصوفية المخرفة، ودافع عنهم بباطل وباطل، وقلب ظهر المجن لشيخه وأستاذه وولي نعمته وتجرد من الأدب مع سيد الحفاظ العلامة الأوحد، والمؤرخ الأمجد، إمام المحدثين رواية ودراية من غير مثنوية-.
يعرف هذا كل من قرأ كتبه الكثيرة في هذا العلم، وكتبه سارت بها الركبان، رغم أنف التاج ومن على شاكلته من الأشاعرة والصوفية الغلاة-.
وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي-رحمه الله تعالى-أساء إليه كثير من الصوفية، والأشاعرة، ومنهم السبكي-تلميذ الحافظ المؤرخ الإمام الأوحد ابن الذهبي، الخبير بمذاهب الناس، والعارف بأفكارهم، صاحب الجهود المخلصة في خدمة السنة الصحيحة، شهد له بهذا الموافق والمخالف، والصديق والعدو، والقاصي والداني، الذي لولاه ما وضع السبكي سوادًا في بياض حول علم الحديث رواية ودراية، وقد اعترف هو بنفسه بهذا، لكن حب السبكي للأشاعرة والمتصوفة لم يتركا له مجالًا للعدل والإنصاف-
حيث قال في حقه كلمة عظيمة،-كبرت كلمة تخرج من أفواههم-لا تصدر إلا من صوفي حاقد [1] ، أو: من أشعري حاسد!، أو: من مبتدع جاحد، أو: من ظالم فاسد، أو: من جاهل جهلًا مركبًا عامد، فإلى الله المشتكى من قلة الإنصاف-.
(1) -أما غير الصوفية فيتهمونه بالتصوف والتساهل معهم، قال محقق: (معرفة علوم الحديث، وكمية أجناسه) (ص:30) : (قال مقبل في ديباجة الكتاب: قد يذكر الحافظ الذهبي بعض المحدثين الصوفية ويثني عليهم ويصفهم بأوصاف ضخمة، فأنقل كلامه غير مقتنع به.
قال الحافظ الذهبي-رحمه الله-يطلق العبارات الضخمة على المبتدعة، وإليك مثال على ذلك، في (السير) .. يثني على الجاحظ، وهو عمرو بن بحر، فيقول: العلامة المتبحر ذو الفنون. اهـ
فأين يرحمك الله هذا الثناء المزعوم، والتبجيل المنتقد؟ وفي اعتقاد ذلك إساءة ظن بالإمام الذهبي-رحمه الله-، إذ ليس في وصف الرجل أنه علامة أو: متبحر، أو: صاحب فنون تزكية له، ولذلك تلحظ في تراجم الذهبي للمبتدعة عبارات بديعة، مثل قوله: كان ذكياَ ولم يكن زكيًا.
ولو نزَّل الشيخ الوادعي كلامَ الذهبي منزله الحقيقي، وعرف مدلولات ألفاظه، لما اتهمه بمدح المتصوفة والمبتدعة، والعجيب أن طائفة أخرى تكلمت في الذهبي لغلظته على الصوفية، وجعلوا من قواعدهم في الجرح والتعديل ألا يقبل قوله فيهم، فقد ضاع الشيخ بين هاتين الطائفتين، ووقف بين الباب والدار، وهو معتمدهم ومعتمد كل من جاء بعده في الجرح والتعديل، والله المستعان على ما يصفون).