فهذه أربعة شروط فيما ينقله.
أما ما يقوله من قِبَلِ نفسه، وما عساه يطول فيه من المنقول بعض التراجم دون بعض، فيشترط فيه:
1 -أن يكون عارفًا بحال المترجم علمًا ودينًا، وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جدًا.
2 -وأن يكون حسن العبارة،
3 -عارفًا بمدلولات الألفاظ حسن التصور، بحيث يتصور حين ترجمة الشخص جميعَ حاله، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عنه ولا تنقص.
4 -وأن لا يغلبه الهوى، فيخيل إليه هواه أن يسلك معه طريق الإنصاف، وإلا فالتجرد عن الهوى عزيز، فهذه أربعة أخرى، ولك أن تجعلها خمسة، لأن حسن تصوره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف، فيجعل حضور التصور زائدًا على حسن التصور والعلم، فتصير تسعة شروط في المؤرخ، وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في العلم، فإنه يحتاج إلى المشاركة في العلم والقرب منه، حتى يعرف مرتبته". انتهى ما حكاه عن أبيه."
قال:"وما أحسن قوله: وما عساه، فإنه أشار به لفائدة جليلة يغفل عنها كثيرون، ويحترز منها الموفقون، وهي تطويل التراجم وتقصيرها."
فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ولكنه يأتي إلى مَن يبغضه فينقل جميعَ ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما يراه من ممادحه، ويعكس الحالَ فيمن يحبه، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب، فإنه لا يجب عليه تطويل ترجمة أحد، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه.
ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة لله ولرسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حقه من حمد وذم.
قلت: وهذا كمن يسمع الحكمة وغيرها فلا يحدث إلا بشر ما سمع ...