وفي زماننا-زمن الفتن-نبتت نبتة محسوبة على طلبة العلم! يتصيدون زلات العلماء ويفرحون بها ويشهرون بصاحبها حتى ولو كان إمامًا من الأئمة، قد قضى نحبه في خدمة الإسلام والدفاع عنه-والمشنعون-كانوا آنذاك في أصلاب أمهاتهم-.
ويجهلون أن الخطأ أمر متوقع من العالم الذي يقول ويفعل ويؤلف [1] ، والخطأ لا يستلزم الإثم دائمًا، لكنه يستلزم الأجر الواحد إن كان صاحبه عالمًا صادقًا في تحريه الحق والبحث عنه، والخطأ من مقتضى الطبيعة البشرية لا يسلم منه إلا المعصوم-عليه الصلاة والسلام-.
والنقص في أصل الطبيعة كامن * فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد
وكما قال شيخنا الفاضل أبو الفضل عمر بن مسعود ابن الفقيه المقرئ عمر بن حدوش الحدوشي-فك الله أسره، فرج كربته-:
فالمرء ذو نقصٍ طبيعيٍّ فلاَ * تعجَبْ إذا عمَّ القصور العقلا
فكلنا يخطيْ وكل مُبتلَى * فنسأل الله الختام الأجملا
وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلومًا جهولًا؟ ! ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصابته [2] .
تريد مهذَّبًا لا عيب فيه * وهل عود يفوح بلا دخان
والأمر في هذا كما قال شهاب الدين محمود-رحمه الله تعالى-:
هذا الذي كانت الآمال لو طُلبت * رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب [3]
قال الإمام ابن الأثير-رحمه الله تعالى-: (وإنما السيد من عُدت سقطاته، وأُخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء ... ) [4] .
(1) -قال الخطيب البغدادي: (من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس) . انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (1/ 183/رقم:61) .
(2) -انظر: (مدارج السالكين) (3/ 522) ، و (اعتذارات الأئمة) (ص:63) لخليل بن عثمان السبيعي.
(3) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (15\ 440) .
(4) -انظر: (اللباب في تهذيب الأنساب) (1/ 9) ، و (اعتذارات الأئمة) (ص:63) .