المأمور به هاهنا ما هو؟ إن قلت: الإبلاغ، فهو مأمور به، وكذلك الحرص على إيمانهم، وغير ذلك.
والجواب: أنهم قالوا: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. فدل على أن المحذوف هو قتالهم.
ويستقيم جزم «يأكلوا» على مذهب سيبويه، إذ الأمر مقدر عنده بـ {إن} ، فيكون تقدير الكلام عنده: إن تترك قتالهم يأكلوا ويتمتعوا.
قوله عز وجل: ... {إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} (15: 60) .
كيف يعلق «قدرنا» - وليس هو من أفعال القلوب عن العمل في «إن» .
[فوائد في مشكل القرآن: 146]
جوابه: تضمن معنى «علمنا» . وكذلك قوله عز وجل: {عينا يشرب بها المقربون} - و «يشرب» يتعدى بنفسه - لأنه ضمن معنى «يروي» .
سورة النحل (16)
قوله عز وجل: ... {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} (16: 8) .
جرت القاعدة بتأخير الأعظم منه في باب الامتنان، والخيل أعظم من البغال، والبغال أعظم من الحمير، فلم تركت القاعدة؟
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن معظم الناس يقدر على الحمير ولا يقدر على الخيل، فنفع الحمير أعم، فيكون الامتنان به أتم.
الثاني: أن هذه الأشياء في معنى المفرد لتأخير الإخبار بالعلة، وهو قوله عز وجل: «لتركبوها» فهو إنما من بالمجموع لا بكل واحد، بخلاف ما لو قدم، فإنه كان يكون الامتنان بكل واحد منها.
[فوائد في مشكل القرآن: 147]
قوله عز وجل: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} ... (16: 17) .
مشكل، لأن قاعدة التشبيه أن يكون المشبه دون المشبه به، وهذا ورد إنكار عليهم، في تشبيههم الأصنام بالله عز وجل، كقوله تعالى: {يحبونهم كحب الله} . فهذا يقتضي أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق. ولا يقال إنهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله، لأنه ليس الأمر كذلك، بل قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} . ولا يتم لنا في هذه الآية الجواب الذي في قوله: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} .
قوله عز وجل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (16: 40) .
الجواب: أنه يشبه عدم تخلف المراد عن الإرادة، بعدم تخلف المأمور المعقب للأمر عن الأمر قبل إرادته، ومراده تعالى كمثل من قال لزيد: قم، فقام عقيب الميم من
[فوائد في مشكل القرآن: 148]
«قم» . وحسن [التشبيه] لما في المشبه به من البيان والظهور.
فإن قيل: قول الله غير معلوم، وإنما المعلوم «قولنا» ، فلو شبه «بقولنا» استقام. قلنا: ليس المراد قوله حقيقة، ونسبته إليه هاهنا مجازية، كقول الشاعر: «امتلأ الحوض وقال قطني» . فالمراد التشبيه بالقول على الجملة.