قوله عز وجل: .... {ذهب الله بنورهم} ... (2: 17) .
والمطابق أن يقول: بضيائهم كقوله: {فلما أضاءت ما حوله} (2: 17) لكنه عدل عن الضياء إلى النور، لأن الضياء أعم من النور. لقوله عز ولج: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} ، فلو نفى الضياء لم يلزم منه نفي النور، إذ لا يلزم من نفي الخاص نفي العام.
والنور، مشتق من نار ينور نورًا، إذا اضطرب. فلما كانت النار تضطرب سميت نارًا
قوله عز وجل: {أو كصيب من السماء} ... (2: 19) .
[من السماء أي] من جهة، أو من نحو، أو صوب [أو عبر بالسماء عن السحاب] لأن كل ما علاك وأظلك، فهو سماء، كقوله: «وفروعها في السماء» و {فليمدد بسبب إلى السماء} أي إلى سقف بيته، قال:
إذا نزل السماء بأرض قوم = رعيناه وإن كانوا غضابا
أي إذا نزل المطر رعينا نبته وكلأه. ومثله: {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} ، أي المطر. وسمي المطر سماء لأنه كان في جهة العلو قبل نزوله، من باب تسمية الشيء بما كان عليه. وفي الحديث: «كنا إثر سماء من الليل» أي إثر مطر
قيل: السماء المعروفة، وقيل: السحاب.
قال الحسن: السماء: موج مكفوف، ومعناه أنها للطافتها تخترق كما يخترق الماء.
وقال مقاتل: «بل كل واحدة من معدن، فواحدة رصاص، وأخرى نحاس، وأخرى حديد، وأخرى ذهب، وأخرى فضة» . وهذا لا دليل عليه.
وحكى الإمام في الشامل عن الفلاسفة: أن كل ما قرب من كرة الأرض، فهو أكثف مما بعد. فالماء أكثف من الهواء، والهواء أكثف من النار، وسماء الدنيا ألطف من النار، وأكثف من التي بعدها، ثم كذلك ترتيب الأفلاك، وهذا يساعد قول الحسن
قوله عز ولج: {فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} ... (2: 19) .
قال أبو علي في: «فيه ظلمات» والضمير يعود على «الصيب» . قال غيره: في مصبه، وهو ضعيف، لأن الرعد والبرق لا يكونان في الأرض التي هي المصب. وقال الزمخشري: إنما قال: «فيه» لأجل الملابسة بين البرق والرعد والصيب، وهو تعسف. وقول أبي علي أحسنها.
قال الزمخشري: وإنما لم يجمع الرعد والبرق كالظلمات لأنه (إن) أراد عين الرعد والبرق، فهما مصدرا أرعدت السماء وبرقت، فلم يجمعهما نظرًا إلى أصلهما، وإن أريد الحدث، فكأنه قيل: فيه إرعاد وإبراق.
وقال غيره: أرعد: إذا خوف. وأبرق: إذا أبان عجبه، ومنه المثل: أرعد وأبرق. فشبه الوعيد في القرآن بالرعد، وظهور الحجج بالبرق. ولكون القرآن من شأنه أن ينقاد إليه من سمعه، شبهه بالبرق، وقال: {يكاد البرق يخطب أبصارهم} (2: 20) .