ولذلك لا يتحقق شيء إلا من خلال سنته، وهذا الإنسان خلقه الله في السماء من طينة الأرض وجرى ما جرى له في السماء من ابتلاءٍ كشف حقيقته وضعفه ومن عدوه وماهي مداخل هذا العدو فيه، كل ذلك لتجري الأمور من خلال سنتها، ومقتضى الحب من الإحسان لا يقع إلا من خلال السنة كما أن مقتضى البغض من الإهلاك لا يقع إلا من خلال السنة حتى لو وجد الموجب، وتأمل قوله تعالى في سورة النحل: (و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابّة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) فالموجب للعذاب من الغضب الإلهي بسبب المعاصي قد وقع ولكن تأخر العذاب حتى تأتي سنته، وهذه الآية هي في نفس السورة (أي النحل) التي فيها قوله: (إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ، فدل على أن الفعل الإلهي لا يقع إلا من خلال السنة، ومن جهْلِ الكفرة بهذا جعلوا التأجيل وعدم وقوع الفعل دليلًا على عدم استحقاقهم له فقالوا: (لولا يعذبنا الله بما نقول) وقال الله عنهم: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده) ، وهذه المعاني الباطلة التي جعلت إقبال الكفار على المعاصي واستحقاقهم بها هي التي تقع في قلوب المسلمين وتدفعهم لترك الصالحات كما في هذا الحديث -حديث الباب- وهو أن أحدهم حين يدعو ولا يرى سرعة الإجابة يترك الدعاء والعمل، وقريبًا منها هو الذي وقع في قلوب المنافقين وفي غزوة أحد فقالوا: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا) فإن فيها معنى"لو كنا على الحق لما تخلف النصر عنا"وإن كان هذا المعنى ملحق لا الأصلي، والقصد أن الفعل لابدّ له من سنة ومنها ظرفُه التاريخي لوقوعه، وتأخُّرُه لا يدل على عدم وجوده فالثمرة قوة كامنة في الشجرة حتى قبل ظهورها، وحين تبدو لا تخضر كزهرة تامة، والزارع يفهم ذلك كله ولا يترك العمل لخفاء الثمر أو لعدم نضجه بل يرعاه دائمًا ويرقبه وهو موقن بوصوله إلى مطلبه يومًا، وهكذا العامل لدين الله تعالى فإنه ليقينه على الوعود الإلهية يرعاها وهي في علم الغيب وعدًا ثم يرعاها وهي تنمو حتى تصل لكمالها كالدعاء، فإن المر يدعو ربَّه وبالدعاء يكون الإجابة لوعد الله الذي لا خلف فيه (و قال ربّكم ادعوني أستجب لكم) (وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) ثم يرعاه بالزيادة والإجتهاد وكثرة السؤال وتحري أوقات وأماكن القبول حتى يصل إلى النهاية وذلك بوقوع الوعد على الوجه الذي رجاه السائل لربه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (يستجاب لأحدكم) ثم قال: (يقول دعوت فلم يستجب لي) فأين الإجابة إذًا؟، الجواب في مثال حصول الولد بالنكاح، فإن الولد يكون بالنكاح، والمستعجل يقول: أين الولد؟ فالمرأة لا ترعى الجنين لعدم رؤيته فيخرج سقطًا قد لا تراه وتظنه دم حيض والحق أنه استجيب له، لكن استعجل فبالتالي كان كمن لم يجب له ابتداء لعدم الإكتمال ولو بقي راعيًا للإجابة الأولى لحصل المقصود بكمال القدر الإلهي المحبوب للإنسان، كما تقدم مثال الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فلو قالوا: لم يُستجب لأولنا لأنهم لم يخرجوا بداعئه وإن كان حصِل الإجابة - فلو تركوا الدعاء لما خرجوا، فهكذا يستجاب له وإن لم يقع، فإن واصل وقع وإلا لم يستجب له، وهذا هو معنى الحديث: يستجاب لأحدكم إن رعى دعاءه وإلا فإن الإجابة الأولى غير كافية لحصول المقصود، وكذلك تأخر الإجابة قد لا يكون بسبب الحاجة للرعاية ولكن لا بدّ لهذا الفعل من زمن ملائم لسنة الله فيه كما وقع مع يوسف عليه السلام، فإنه رأى رؤيا، ولحصول الرؤيا كان لابدّ لهذا الفعل من مقدمات زمنية وفعلية طويلة ليقع التأويل، والله لا يجري شيئًا في هذه الدنيا إلا من خلال السنن إلا ما يقع من المعجزات والكرامات وهي خلاف العادة، - ولو شئت لبسطت القول وقلت: حتى المعجزات والكرامات تقع من خلال السنن ولكن شرح ذلك يطول والكل مجمع أن الحياة جريانها على غير المعجزة والكرامة -، فالداعي يرى أن دعاءه الأول لم يجب، وإن كان في الحقيقة قد أجيب فبترك الدعاء لباقي ما هو محتاجه فحينئذ لا يقع ما يريد لتخلف السبب وهو الدعاء، وهذان المعنيان هما على معنى واحد في ما نحن فيه من فهم عالم الغيب والوعود الإلهية مع الأفعال، كنصر المؤمنين واليسر بعد العسر