الْمُدْرَجُ
(213) الْمُدْرَجُ الْمُلْحَقُ آخِرَ الْخَبَرْ ... مِن قوْلِ راوٍ ما بلا فَصْلٍ ظَهَرْ
(214) نحوَ إذا قُلْتَ التشَهُّدُ وَصَلْ ... ذاكَ زُهيرٌ وابنُ ثَوبانَ فَصَلْ
(215) قُلْتُ ومنه مُدْرَجٌ قبلُ قُلِبْ كَـ (( أَسْبِغُوا الوضوءَ ويلٌ للْعَقِبْ ) )
الْمُدْرَجُ في الحديثِ أقسامٌ:
(القِسمُ الأوَّلُ) منه ما أُدْرِجَ في آخِرِ الحديثِ مِن قولِ بعضِ رُواتِه، إمَّا الصحابِيِّ أو مَن بعدَه مَوصولًا بالحديثِ، مِن غيرِ فَصْلٍ بينَ الحديثِ وبينَ ذلك الكلامِ، بذِكْرِ قائلِه فيَلْتَبِسُ على مَن لا يَعْلَمُ حقيقةَ الحالِ ويَتوَهَّمُ أنَّ الجميعَ مرفوعٌ، مثالُه ما رواه أبو داودَ قالَ: حَدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ النُّفَيْلِيُّ حدَّثَنا زُهيرٌ حدَّثَنا الحسَنُ بنُ الْحُرِّ عن القاسمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ قالَ: (( أَخَذَ عَلقمةُ بيَدِي فحَدَّثَني أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أخَذَ بيَدِه وأنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أخَذَ بيدِ عبدِ اللهِ فعَلَّمَنا التشَهُّدَ في الصلاةِ، قالَ: فذَكَرَ مثلَ حديثِ الأعمَشِ: (( إذا قُلْتَ هذا أو قَضيتَ هذا فقد قَضيتَ صلاتَك، إنْ شِئتَ أنْ تقومَ فقُمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ ) ).
فقولُه: إذا قُلتَ إلى آخِرِه وَصَلَه زُهيرُ بنُ مُعاويةَ أبو خَيثمةَ بالحديثِ المرفوعِ في روايةِ أبي داودَ هذه، قالَ الحاكِمُ: قولُه: إذا قلتَ هذا ... مُدْرَجٌ في الحديثِ مِن كلامِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وكذا قالَ البَيهقيُّ في (المعرِفةِ) : قد ذَهَبَ الْحُفَّاظُ إلى أنَّ هذا وَهْمٌ، وأنَّ قولَه: إذا قُلْتَ هذا أو قَضيتَ هذا فقد قَضيتَ صلاتَك. مِن قولِ ابنِ مسعودٍ، فأُدْرِجَ في الحديثِ، وكذا قالَ الخطيبُ في كتابِه الذي جَمَعَه في المدْرَجِ: إنها مُدْرَجَةٌ، وقالَ النوويُّ في (الْخُلاصةِ) : اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ على أنها مُدْرَجَةٌ. انتهى.
وقولُ الْخَطَّابِيِّ في (الْمَعالِمِ) : اخْتَلَفوا فيه، هل هو مِن قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أو مِن قولِ ابنِ مسعودٍ فأرادَ اختلافَ الرواةِ في وصْلِه وفَصْلِه لا اختلافَ الحُفَّاظِ، فإنهم مُتَّفِقُونَ على أنها مُدْرَجَةٌ، على أنه قد اختُلِفَ على زُهيرٍ فيه، فرواه النُّفيليُّ وأبو النضْرِ هاشمُ بنُ القاسمِ وموسى بنُ داودَ الضبِّيُّ وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ الْيَرْبُوعيُّ وعليُّ بنُ الْجَعْدِ ويحيى بنُ يحيى النَّيْسَابوريُّ وعاصمُ بنُ عليٍّ وأبو داودَ الطَّيَالِسِيُّ ويحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ الكِرْمَانِيُّ ومالِكُ بنُ إسماعيلَ النَّهْدِيُّ عنه هكذا مُدْرَجًا.
ورواه شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ عنه ففَصَّلَه وبَيَّنَ أنه مِن قولِ عبدِ اللهِ فقالَ: قالَ عبدُ اللهِ: فإذا قلتَ ذلك فقد قَضيتَ ما عليكَ مِن الصلاةِ، فإنْ شِئتَ أنْ تَقومَ فقُمْ وإنْ شِئتَ أنْ تَقعُدَ فاقْعُدْ. رواه الدارقُطنيُّ وقالَ: شَبابةُ ثِقةٌ، وقد فَصَّلَ آخِرَ الحديثِ وجَعَلَه مِن قولِ ابنِ مسعودٍ، وهو أصَحُّ مِن روايةِ مَن أدْرَجَ آخِرَه.
وقولُه: أشْبَهُ بالصوابِ؛ لأنَّ ابنَ ثَوبانَ رواه عن الحسَنِ بنِ الْحُرِّ كذلك، وجَعَلَ آخِرَه مِن قولِ ابنِ مسعودٍ ولم يَرفعْه إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ثُمَّ رَوَاه مِن روايةِ غَسَّانَ بنِ الربيعِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ ثابتِ بنِ ثوبانَ عن الحسنِ بنِ الْحُرِّ بِهِ، وفي آخِرِه ثم قالَ ابنُ مسعودٍ: (( إذا فَرَغْتَ مِن هذا فقد فَرَغْتَ مِن صلاتِك، فإنْ شِئتَ فاثْبُتْ وإنْ شِئتَ فانْصَرِفْ ) ).
ورَواه الخطيبُ أيضًا مِن روايةِ بَقِيَّةَ حَدَّثَنا ابنُ ثَوبانَ فاستَدَلَّ الدارقُطنيُّ على تصويبِ قولِ شَبابةَ بروايةِ ابنِ ثَوبانَ هذه، وباتِّفاقِ حسينٍ الْجُعْفِيِّ وابنِ عَجلانَ ومحمَّدِ بنِ أبانٍ في رِواياتِهم عن الحسَنِ بنِ الْحُرِّ على تَرْكِ ذِكْرِه في آخِرِ الحديثِ مع اتِّفاقِ كلِّ مَن روى التشَهُّدَ عن عَلقمةَ وعن غيرِه عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ على ذلك.
واعلَمْ أنَّ ابنَ الصلاحِ قَيَّدَ هذا القِسْمَ مِن الْمُدْرَجِ بكونِه أُدْرِجَ عَقِبَ الحديثِ، وقد ذكَرَ الخطيبُ في المدْرَجِ ما أُدْخِلَ في أوَّلِ الحديثِ أو في وسَطِه فأَشَرْتُ إلى ذلك بقولِي: (قلتُ ومنه مُدْرَجٌ قبلُ قُلِبْ) أيْ: أتى به قبلَ الحديثِ المرفوعِ أو قبلَ آخِرِه في وَسَطِه مَثَلًا.