قالَ الشافعِيُّ: قيلَ له: خالَفَه سفيانُ بنُ عُيينةَ والفَزارِيُّ والثقفيُّ وعدَدٌ لَقِيتُهم سبعةٌ أو ثمانيةٌ متَّفِقِينَ مُخالِفِينَ له، قالَ: والعدَدُ الكثيرُ أَوْلَى بالحفْظِ مِن واحدٍ، ثم رَجَّحَ رِوايتَهم بما رواه عن سُفيانَ عن أيُّوبَ عن قَتادةَ عن أنَسٍ قالَ:"كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأبو بكرٍ وعمرُ يَفتتحونَ القراءةَ بالحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ".
قالَ الشافعِيُّ: يَعني يَبدؤونَ بقراءةِ أمِّ القرآنِ قبْلَ ما يُقرأُ بعدَها ولا يَعنِي أنهم يَتركونَ بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ وحَكَى التِّرمذيُّ عن الشافعِيِّ في معنى الحديثِ مثلَ هذا.
قالَ الدارقُطْنِيُّ: هذا هو المحفوظُ عن قَتادةَ وغيرِه عن أنَسٍ، قالَ البَيهقيُّ: وكذلك رواه أكثَرُ أصحابِ قَتادةَ عن قَتادةَ قالَ: وهكذا رواه إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طَلحةَ وثابتٌ البُنانِيُّ عن أنَسٍ. انتهى.
وممن رواه عن قَتادةَ هكذا أيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وشُعبةُ وهشامٌ الدَّسْتوَائِيُّ وشَيبانُ بنُ عبدِ الرحمنِ وسعيدُ بنُ أبي عَروبةَ وأبو عَوانةَ وغيرُهم.
قالَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ: فهؤلاءِ حُفَّاظُ أصحابِ قَتادةَ ليس في رِوايَتِهم لهذا الحديثِ ما يُوجِبُ سُقوطَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ مِن أوَّلِ فاتحةِ الكتابِ. انتهى.
وهذا هو اللفْظُ الْمُتَّفَقُ عليه في الصحيحينِ، وهو روايةُ الأكثرينَ وما أوَّلَهُ عليه الشافعِيُّ مصَرَّحٌ به في رِوايةِ الدارقُطنيِّ، فكانوا يَستفتحونَ بأُمِّ القرآنِ فيما يُجْهَرُ به، قالَ الدارقُطنيُّ: هذا صحيحٌ، وأيضًا فلو قالَ قائلٌ: إنَّ روايةَ حُميدٍ منْقَطِعَةٌ بَيْنَه وبينَ أنَسٍ لم يكنْ بَعيدًا، فقد رواها ابنُ أبي عَدِيٍّ عن حُميدٍ عن قَتادةَ عن أنَسٍ.
قالَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ: ويقولون: إنَّ أكثَرَ روايةِ حُميدٍ عن أنَسٍ إنما سَمِعَها مِن قَتادةَ وثابِتٍ عن أنَسٍ. وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ في (الاستذكارِ) : اختُلِفَ عليهم في لَفْظِه اختلافًا كثيرًا مُضْطَرِبًا مُتَدَافِعًا، منهم مَن يقولُ فيه:"صَلَّيْتُ خلْفَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأبي بكرٍ وعمرَ"ومنهم مَن يَذكرُ عثمانَ ومنهم مَن لا يَذكرُ، فكانوا لا يَقرؤونَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ومنهم مَن قالَ: فكانوا لا يَجهرونَ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.
وقالَ كثيرٌ منهم: فكانوا يَفْتَتِحونَ القراءةَ بالحمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
وقالَ بعضُهم: فكانوا يَجهرونَ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. وقالَ بعضُهم: كانوا يَقرؤونَ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. قالَ: وهذا اضطرابٌ لا تقومُ فيه حُجَّةٌ لأَحَدٍ مِن الفُقهاءِ الذين يَقرؤونَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، والذينَ لا يَقرؤونَها.
وقولِي: (إذْ ظَنَّ راوٍ نَفْيَها فنَقَلَه) أيْ: إذ ظَنَّ بعضُ الرُّواةِ فَهْمًا منه أنَّ معنى قولِ أنَسٍ: يَستفتحونَ بالحمْدُ للهِ أنهم لا يُبَسْمِلونَ، فرَواهُ على ما فَهِمَه بالمعنى، وهو مُخْطِئٌ في فَهْمِه، ومما يَدُلُّ على أنَّ أَنَسًا لم يُرِدْ بذلك نَفْيَ البَسملةِ ما صَحَّ عنه مِن روايةِ أبي مَسلمةَ سعيدِ بنِ يَزيدَ قالَ: سألتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ: أكانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ يَستفتِحُ بالحمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ أو ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ؟ فقالَ: إنَّك لتَسْأَلُنِي عن شيءٍ ما أَحْفَظُه وما سأَلَنِي عنه أحَدٌ قَبْلَك. رواه أحمدُ في مُسْنَدِه وابنُ خُزيمةَ في صحيحِه والدارقُطنيُّ، وقالَ: هذا إسنادٌ صحيحٌ.
قالَ البَيهقيُّ في (المعرِفةِ) : في هذا دَلالةٌ على أنَّ مقصودَ أنَسٍ ما ذكَرَه الشافعِيُّ، وقد اعْتَرَضَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ على هذا الحديثِ بأنْ قالَ: مَن حَفِظَه عنه حُجَّةٌ على مَن سَألَه عنه في حالِ نِسيانِه، وأجابَ أبو شامةَ بأنهما مَسألتانِ فسؤالُ أبي مَسلمةَ عن البَسملةِ وتَرْكِها وسُؤالُ قتادةَ عن الاستفتاحِ بأيِّ سُورةٍ، وفي (صحيحِ مسلِمٍ) أنَّ قَتادةَ قالَ: نحن سَألناهُ عنه. فاتَّضَحَ أنَّ سؤالَ قَتادةَ كان غيرَ سؤالِ أبي مَسلمةَ، وأمَّا قولُ ابنِ الْجَوزيِّ في (التحقيقِ) : حديثُ أبي مَسلمةَ ليس في (الصِّحاحِ) فلا يُعارِضُ ما في (الصِّحاحِ) وإنَّ الأئمَّةَ اتَّفَقُوا على صِحَّةِ حديثِ أنَسٍ. ففيه نَظَرٌ، فهذا الشافعيُّ والدارقُطنيُّ والبَيْهَقِيُّ لا يقولونَ بصِحَّةِ