إلى البخاريِّ فسألَه عن عِلَّتِه، فقالَ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ: هذا حديثٌ مَلِيحٌ ولا أعلَمُ في الدنيا في هذا البابِ غيرَ هذا الحديثِ الواحدِ، إلا أنه معلولٌ، حدَّثَنا به موسى بنُ إسماعيلَ حَدَّثَنا وُهيبٌ حَدَّثَنا سُهيلٌ عن عَوْنِ بنِ عبدِ اللهِ.
قولُه: (قالَ البخاريُّ) هذا أَوْلَى فإنه لا نَذْكُرُ لموسى بنِ عُقبةَ سَمَاعًا مِن سُهيلٍ، هكذا أَعَلَّ الحاكِمُ في علومِه هذا الحديثَ بهذه الحكايةِ، وغالِبُ ظنٍّ أنَّ هذه الحكايةَ ليست بصحيحةٍ، وأنا أَتَّهِمُ بها أحمدَ بنَ حَمدونَ القَصَّارَ راويَها عن مسلِمٍ، وقد بَيَّنْتُ ذلك في النُّكَتِ التي على كتابِ ابنِ الصلاحِ.
(199) وهي تَجيءُ غالِبًا في السَّنَدِ ... تَقدَحُ في الْمَتْنِ بقَطْعِ مُسْنَدِ
(200) أو وَقْفِ مرفوعٍ وقد لا تَقْدَحُ كالبَيِّعَانِ بالْخِيارِ صَرَّحُوا
(201) بوَهْمِ يَعْلَى بنِ عُبيدٍ أَبْدَلا ... عَمْرًا بعبدِ اللهِ حينَ نَقَلاَ
(202) وعِلَّةُ الْمَتْنِ كنَفْيِ البَسْمَلَهْ ... إذ ظَنَّ راوٍ نَفْيَها فنَقَلَهْ
(203) وصَحَّ أنَّ أَنَسًا يقولُ لاَ ... أَحْفَظُ شيئًا فيه حينَ سُئِلاَ
العِلَّةُ تكونُ في الإسنادِ وهو الأغلَبُ الأكثَرُ، وتكونُ في الْمَتْنِ، ثم العِلَّةُ في الإسنادِ قد تَقْدَحُ في صِحَّةِ الْمَتْنِ أيضًا وقد لا تَقدَحُ، فأمَّا عِلَّةُ الإسنادِ التي تَقدَحُ في صِحَّةِ الْمَتْنِ فكالتعليلِ بالإرسالِ والوقْفِ، وأمَّا عِلَّةُ الإسنادِ التي لا تَقدَحُ في صِحَّةِ الْمَتْنِ فكحديثٍ رواه يَعْلَى بنُ عُبيدٍ الطَّنَافِسِيُّ أحَدُ رجالِ الصحيحِ عن سُفيانَ الثورِيِّ عن عمرِو بنِ دِينارٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قالَ: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ) )الحديثَ.
فوَهِمَ يَعْلَى بنُ عُبيدٍ على سُفيانَ في قولِه عمرُو بنُ دِينارٍ، وإنما المعروفُ مِن حديثِ سُفيانَ عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عن ابنِ عمرَ، هكذا رواه الأئِمَّةُ مِن أصحابِ سُفيانَ أبو نُعيمٍ الفضْلُ بنُ دُكَيْنٍ وعُبيدُ اللهِ بنُ موسى العَبْسِيُّ، ومحمَّدُ بنُ يوسُفَ الفِريَابِيُّ، ومَخْلَدُ بنُ يزيدَ وغيرُهم، وهكذا رواه عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ شُعبةُ وسفيانُ بنُ عُيينةَ ويَزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الهادِ ومالكُ بنُ أنَسٍ مِن روايةِ ابنِ وَهْبٍ عنه، والحديثُ مشهورٌ لمالِكٍ وغيرِه عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ.
وأمَّا روايةُ عمرِو بنِ دِينارٍ له فوَهْمٌ مِن يَعْلَى بنِ عُبيدٍ، وقالَ عُثمانُ بنُ سعيدٍ عن يحيى بنِ مَعينٍ: يعلى بنُ عُبيدٍ ضَعيفٌ في الثوريِّ ثِقةٌ في غيرِه.
وقولِي: أَبْدَلَ عَمْرًا بعبدِ اللهِ، أيْ: تَرَكَ عبدَ اللهِ بنَ دِينارٍ وأتى بعمرِو بنِ دِينارٍ؛ لأنَّ الباءَ تَدْخُلُ على المتروكِ، وأَّما عِلَّةُ المتْنِ فمثالُه ما تَفَرَّدَ به مسلِمٌ في صحيحِه مِن روايةِ الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، حَدَّثَنا الأوزاعيُّ عن قَتادةَ أنه كتَبَ إليه يُخبرُه عن أنَسِ بنِ مالِكٍ أنه حَدَّثَه:"قالَ صَلَّيْتُ خلْفَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فكانوا يَستفتحونَ بالحمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ لا يَذكرونَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ في أوَّلِ قراءةٍ ولا في آخِرِها".
ثم رواه مِن روايةِ الوليدِ عن الأوزاعيِّ: أخْبَرَني إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طَلحةَ أنه سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ يذكُرُ ذلك.
وروى مالِكٌ في (الْمُوَطَّأِ) عن حُميدٍ عن أنَسٍ قالَ:"صلَّيْتُ وراءَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فكُلُّهم كان لا يَقرأُ بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ"وزادَ فيه الوليدُ بنُ مسلِمٍ عن مالِكٍ به"صلَّيْتُ خلْفَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ"قالَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ: وهو عندَهم خَطأٌ، وحديثُ أنَسٍ قد أعَلَّه الشافعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه فيما ذَكَرَه البَيهقِيُّ في الْمَعرِفَةِ عنه أنه قالَ في سُنَنِ حَرملةَ جَوابًا لسؤالٍ أوْرَدَه فإنْ قالَ قائلٌ: قد روى مالِكٌ فذَكَرَه؟