(قولٌ رابعٌ) أنه إنْ كانت الزيادةُ مُغَيِّرَةً للإعرابِ كان الخبرانِ مُتَعَارِضَيْنِ، وإنْ لم تُغَيِّرِ الإعرابَ قُبِلَتْ، حكاهُ ابنُ الصَّبَّاغِ عن بعضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وفيها (قولٌ خامِسٌ) أنها لا تُقْبَلُ إلاَّ إذا أفادَتْ حُكْمًا.
وفيها (قولٌ سادسٌ) أنها تُقْبَلُ في اللفْظِ دونَ المعنى، حكاهما الخطيبُ.
وقولُه: (وقد قَسَّمَهُ الشيخُ) أي: ابنُ الصلاحِ فقالَ: قد رأيتُ تقسيمَ ما يَنْفَرِدُ به الثِّقةُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
(أحَدُها) ما يَقَعُ مُخالِفًا منَافِيًا لِمَا رواهُ سائرُ الثِّقاتِ فهذا حُكْمُه الردُّ كما سَبَقَ في نَوْعِ الشاذِّ.
(الثاني) أنْ لا يكونَ فيه مُنافاةٌ ومُخَالَفَةٌ أَصْلًا لِمَا رواه غيرُه كالحديثِ الذي تَفَرَّدَ بروايةِ جُملتِه ثِقةٌ ولا تَعَرُّضَ فيه لِمَا رواه الغيرُ بمخالَفَةٍ أصْلًا. فهذا مَقبولٌ وقد ادَّعَى الخطيبُ فيه اتِّفاقَ العلماءِ عليه، وسَبَقَ مثالُه في نوعِ الشاذِّ.
(الثالثُ) ما يَقَعُ بينَ هاتينِ الْمَرْتَبَتَيْنِ مثلُ زيادةِ لفْظةٍ في حديثٍ لم يَذْكُرْها سائرُ مَن روى ذلك الحديثَ، مثالُه ما رواه مالِكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ"أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فرَضَ زكاةَ الفطْرِ مِن رمضانَ على كلِّ حُرٍّ أو عبْدٍ ذَكَرٍ أو أُنثى مِن المسلمينَ"فذكَرَ أبو عِيسى التِّرْمِذِيُّ أنَّ مالِكًاَ انْفَرَدَ مِن بينِ الثقاتِ بزيادةِ قولِه: (مِن المسلمينَ) .
وروى عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ وأيُّوبُ وغيرُهما هذا الحديثَ عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ دونَ هذه الزيادةِ فأخَذَ بها غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ، واحْتَجُّوا بها منهم الشافعيُّ وأحمدُ رَضِيَ اللهُ عنهما.
قالَ: ومِن أمْثِلَةِ ذلك حديثُ (( جُعِلَتْ لنا الأرضُ مَسْجِدًا وجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا ) )فهذه الزيادةُ تَفَرَّدَ بها أبو مالِكٍ سعدُ بنُ طارِقٍ الأَشْجَعِيُّ، وسائرُ الرواياتِ لفْظُها (( وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ) ).
قالَ: فهذا وما أشْبَهَه يُشْبِه القسْمَ الأوَّلَ مِن حيث إنَّ ما رواه الجماعةُ عامٌّ، وما رواه المنفَرِدُ بالزيادةِ مخصوصٌ، وفي ذلك مُغَايَرَةٌ في الصفةِ ونوعٌ مِن المخالَفَةِ يَختلِفُ به الحكْمُ، ويُشبِهُ أيضًا القِسْمَ الثانِيَ مِن حيثُ إنه لا مُنافاةَ بينَهما. انتهى كلامُ ابنِ الصلاحِ.
واقْتَصَرْتُ على الْمِثالِ الثاني لأنَّه صحيحٌ كما ذُكِرَ، تَفَرَّدَ بالزيادةِ سعْدُ بنُ طارِقٍ أبو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ، والحديثُ رواه مسلِمٌ والنَّسائيُّ مِن روايةِ الأَشْجَعِيِّ، عن رِبْعِيِّ عن حُذيفةَ، وأمَّا الْمِثالُ الأوَّلُ فلا يَصِحُّ لأنَّ مالكًا لم يَتفرَّدْ بالزيادةِ بل تابَعَه عليها عمرُ بنُ نافعٍ والضحَّاكُ بنُ عثمانَ ويونُسُ بنُ يزيدَ وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ والْمُعَلَّى بنُ إسماعيلَ وكثيرُ بنُ فَرْقَدٍ، واختُلِفَ في زيادتِها على عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ وأيُّوبَ وقد بَيَّنْتُ هذه الطرُقَ في النُّكَتِ التي جَمَعْتُها على كتابِ ابنِ الصلاحِ.
وقولُه: (والوصْلُ والإرسالُ مِن ذا أُخِذَا) أيْ: إنَّ تَعارُضَ الوصْلِ والإرسالِ نَوعٌ مِن زيادةِ الثِّقَةِ؛ لأنَّ الوصْلَ زيادةُ ثِقةٍ، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الخطيبَ حَكَى عن أَكثَرِ أهْلِ الحديثِ أنَّ الْحُكْمَ لِمَن أرْسَلَ.
وقالَ ابنُ الصَّلاحِ: إنَّ بينَ الوصْلِ والإرسالِ مِن المخالَفَةِ نحوَ ما ذَكرناهُ. أيْ: في القِسْمِ الثالثِ، قالَ: ويَزدادُ ذلك بأنَّ الإرسالَ نوْعُ قَدْحٍ في الحديثِ، فتَرجيحُه وتَقديمُه مِن قَبيلِ تقديمِ الْجَرْحِ على التعديلِ. قالَ: ويُجابُ عنه بأنَّ الْجَرْحَ قُدِّمَ لِمَا فيه مِن زِيادةِ العلْمِ والزيادةُ ههنا مع مَن وَصَلَ واللهُ أَعْلَمُ.