(142) قالَ ومِثلُه رَأَيُ ابنُ شَيْبَهْ ... كذَا لَهُ ولم يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
(143) قُلْتُ الصوابُ أنَّ مَن أَدْرَكَ مَا رَوَاهُ بالشرْطِ الذي تَقَدَّمَا
(144) يُحْكَمْ له بالوَصْلِ كيف ما رَوَى بِقالَ أو عن أو بأنَّ فَسَوَا
(145) وما حَكَى عن أحمدَ بنِ حَنْبَلِ وقولِ يَعقوبَ على ذا نَزِّلِ
فاعلُ قالَ هو ابنُ الصلاحِ، فقالَ: ووَجَدْتُ مِثلَ ما حكاهُ عن البَرْدِيجِيِّ الحافظُ الفَحْلُ يعقوبُ بنُ شَيبةَ في مُسْنَدِه الفَحْلِ، قالَ: فإنه ذَكَرَ ما رواهُ أبو الزُّبَيْرِ عن محمَّدِ بنِ الْحَنَفِيَّةِ عن عمَّارٍ قالَ:"أتيتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو يُصَلِّي فسَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ عليَّ السلامَ"وجَعَلَه مُسْنَدًا موصولًا.
وذكَرَ روايةَ قيْسِ بنِ سعْدٍ كذلك عن عَطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ عن ابنِ الْحَنَفِيَّةِ"أنَّ عمَّارًا مَرَّ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو يُصَلِّي"فجَعَلَه مُرْسَلًا مِن حيثُ كونُه قالَ: إنَّ عمَّارًا فعَلَ ولم يَقُلْ عن عمَّارٍ، واللهُ أعْلَمُ. انتهى كلامُ ابنِ الصلاحِ، ولم يَقَعْ على مَقصودِ يعقوبَ بنِ شَيبةَ وهو المرادُ بقولِه: (كذا له) أيْ لابنِ الصلاحِ، ولم يُصَوِّبْ صَوْبَه أيْ: ولم يُعَرِّجْ صَوْبَ مَقْصِدِه.
وبيانُ ذلك أنَّ ما فَعَلَه يعقوبُ هو صوابٌ مِن العمَلِ، وهو الذي عليه عَمَلُ الناسِ، وهو لم يَجْعَلْهُ مُرْسَلًا مِن حيث لفْظِ"أنَّ"وإنما جَعَلَه مُرْسَلًا مِن حيث إنه لم يُسْنِدْ حكايةَ القِصَّةِ إلى عمَّارٍ، وإلاَّ فلو قالَ إنَّ عمَّارًا قالَ: مَرَرْتُ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لَمَا جَعَلَه مُرْسَلًا، فلمَّا أتى به بلفْظِ أنَّ عمَّارًا مَرَّ كان محمَّدُ بنُ الْحَنَفِيَّةِ هو الحاكِي لقِصَّةٍ لم يُدْرِكْهَا؛ لأنه لم يُدْرِكْ مُرورَ عمَّارٍ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فكانَ نقْلُه لذلك مرْسَلًا، ثم بَيَّنْتُ ذلك بقاعِدَةٍ يُعْرَفُ بها الْمُتَّصِلُ مِن الْمُرْسَلِ بقولِي: قلتُ. وهو مِن الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ إلاَّ حكايةَ كلامِ أحمدَ ويعقوبَ.
وتقريرُ هذه القاعدةِ أنَّ الراوِيَ إذا روى حديثًا فيه قِصَّةٌ أو واقعةٌ فإنْ كان أدْرَكَ ما رواه بأنْ حكى قِصَّةً وقَعَتْ بينَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وبينَ بعضِ الصحابةِ، والراوي لذلك صحابِيٌّ أدْرَكَ تلك الواقِعَةَ فهي محكومٌ لها بالاتِّصالِ، وإنْ لم يُعْلَمْ أنه شاهَدَها وإنْ لم يُدْرِكْ تلك الواقعةَ فهو مرْسَلُ صحابِيٍّ، وإنْ كانَ الراوِي تابِعِيًّا فهو منْقَطِعٌ، وإنْ رَوَى التابعِيُّ عن الصحابِيِّ قِصَّةً أدْرَكَ وُقوعَها كانَ مُتَّصِلًا، وإن لم يُدْرِكْ وقُوعَها وأَسْنَدَها إلى الصحابِيِّ كانتْ متَّصِلَةً، وإنْ لم يُدْرِكْها ولا أسْنَدَ حكايتَها إلى الصحابِيِّ فهي منْقَطِعَةٌ؛ كروايةِ ابنِ الْحَنَفِيَّةِ الثانيةِ عن عمَّارٍ، ولا بُدَّ مِن اعتبارِ السلامةِ مِن التدليسِ في التابعينَ ومَن بعدَهم.
وقد حكَى أبو عبدِ اللهِ بنُ الْمَوَّاقِ اتِّفاقَ أهْلِ التمييزِ مِن أهْلِ الحديثِ على ذلك في كتابِه (بُغْيَةِ النُّقَّادِ) عندَ ذكْرِ حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ طَرَفَةَ"أنَّ جَدَّهَ عَرْفَجَةَ قُطِعَ أنْفُه يومَ الكلابِ"الحديثَ. فقالَ: الحديثُ عندَ أبي داوُدَ مرْسَلٌ وقد نَبَّهَ ابنُ السكَنِ على إرسالِه فقالَ: فذَكَرَ الحديثَ مرْسَلًا.
قالَ ابنُ الْمَوَّاقِ: وهو أمْرٌ بَيِّنٌ لا خِلافَ بينَ أهْلِ التمييزِ مِن أهْلِ هذا الشأنِ في انقطاعِ ما يُرْوَى كذلك إذا عُلِمَ أنَّ الراوِيَ لم يُدْرِكْ زَمانَ القِصَّةِ كما في هذا الحديثِ.
وقولُه: (فَسَوَا) هو ممدودٌ قُصِرَ لضرورةِ الشعْرِ.
وقولُه: (ومَا حَكَى) أي: ابنُ الصلاحِ عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ فإنه حَكَى قَبْلَ هذا عن أحمدَ أنَّ"عن فلانٍ"و"أنَّ فلانًا"ليسا سَواءً.
(وقولِ يعقوبَ) هو مجرورٌ بالعطْفِ، ويعقوبُ هو ابنُ شَيبةَ (على ذا نَزِّلِ) أيْ: نَزِّلْهُ على هذه القاعدةِ أمَّا كلامُ يعقوبَ فقد تَقَدَّمَ تَنزيلُه عليه، وأمَّا كلامُ أحمدَ فإنَّ الخطيبَ رواهُ في (الكِفايةِ) بإسنادِه إلى أبي داوُدَ قالَ: سَمِعْتُ أحمدَ قيلَ له: إنَّ رجلًا قالَ: عُروةُ أنَّ عائشةَ قالتْ: يا رسولَ اللهِ. و: عن عُروةَ عن عائشةَ - سواءٌ؟ قالَ: كيفَ هذا سواءٌ؟ ليس هذا بسواءٍ، فإنما فَرَّقَ