فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 339

قولُهُ: (وقالَ: انفُذْ عَلَى رِسْلِكَ) ، بضمِّ الفاءِ؛ أي: امْضِ، و (رِسْلِكَ) بكَسْرِ الراءِ وسكونِ السِّينِ؛ أيْ: على رِفْقِكَ مِنْ غيرِ عَجَلَةٍ، و (ساحَتِهِم) : فِنَاءِ أرْضِهِم، وهوَ ما حَوْلَهَا.

وفيهِ: الأدبُ عندَ القِتَالِ، وتَرْكُ العَجَلَةِ والطَّيْشِ والأصواتِ التي لا حَاجَةَ إليها.

وفيهِ: أمْرُ الإمامِ عُمَّالَهُ بالرِّفْقِ منْ غيرِ ضَعْفٍ ولا انْتِقَاضِ عَزِيمَةٍ، كما يُشِيرُ إليهِ قولُهُ: (حتى تَنْزِلَ بسَاحَتِهِم) . قولُه: (ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلى الإِسْلَامِ) ؛ أي: الَّذِي هوَ معنى شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: الإسلامُ: شَهَادَةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ محمدًا عبْدُهُ ورسُولُهُ، ومَا اقْتَضَتْهُ الشهادتانِ مِنْ إخلاصِ العبادةِ للَّهِ وَحْدَهُ، وإخلاصِ الطاعَةِ له ولرسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومِنْ هنا طَابَقَ الحديثُ التَّرْجَمَةَ، كَمَا قالَ تعالى لنبيِّهِ ورسولِهِ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عِمْرَانَ: 64] .

قالَ شيخُ الإسلامِ رحِمَهُ اللَّهُ: والإسلامُ هوَ الاسْتِسْلامُ للَّهِ، وهوَ الخُضُوعُ لهُ، والعُبُودِيَّةُ لهُ. كذا قالَ أهلُ اللُّغَةِ.

وقالَ رحِمَهُ اللَّهُ تعالى: ودينُ الإسلامِ الذي ارْتَضَاهُ اللَّهُ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، هوَ الاسْتِسْلامُ لهُ وحْدَهُ، فأصْلُهُ في القَلْبِ، والخُضُوعُ لهُ وحْدَهُ بعبادَتِهِ وحْدَهُ دونَ مَا سِواهُ. فَمَنْ عبَدَهُ وعبَدَ معهُ إلهًا آخَرَ لمْ يَكُنْ مُسْلِمًا. ومَن اسْتَكْبَرَ عنْ عبادَتِهِ لمْ يَكُنْ مُسْلِمًا. وفي الأصْلِ: هوَ مِنْ بابِ العَمَلِ؛ عَمَلِ القَلْبِ والجوارِحِ. وأمَّا الإيمانُ فأصْلُهُ تصديقُ القَلْبِ وإقْرارُهُ ومَعْرِفَتُهُ، فهوَ منْ بابِ قولِ القَلْبِ المُتَضَمِّنِ عَمَلَ القَلْبِ، انْتَهَى.

فتبيَّنَ أنَّ أصْلَ الإسلامِ هوَ التوحيدُ ونفيُ الشِّرْكِ في العبادةِ، وهوَ دَعْوةُ جميعِ المُرْسَلِينَ، وهوَ الاسْتِسْلامُ للَّهِ تعالى بالتوحيدِ، والانْقِيادُ لهُ بالطَّاعَةِ فيما أمَرَهم بهِ على أَلْسُنِ رُسُلِهِ، كمَا قالَ تعالى عن أوَّلِ رسولٍ أرْسَلَهُ: {أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 3] .

وفيهِ: مَشْرُوعِيَّةُ الدَّعْوَةِ قَبْلَ القِتَالِ، لكنْ إنْ كانُوا قدْ بَلَغَتْهم الدعوةُ جَازَ قِتَالُهم ابْتِدَاءً؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أغَارَ على بَنِي المُصْطَلِقِ وهمْ غَارُونَ، وإنْ كانُوا لمْ تَبْلُغْهم الدعوةُ وَجَبَتْ دَعْوَتُهم.

قولُهُ: (وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالى فِيهِ) ؛ أيْ: الإسلامِ. إذا أجابُوكَ إليهِ فأخْبِرْهُم بما يَجِبُ مِنْ حقوقِهِ التي لا بُدَّ لهم مِنْ فِعْلِها، كالصلواتِ والزَّكَاةِ، كما في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (( فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ) )، ولَمَّا قالَ عُمَرُ لأبي بَكْرٍ في قِتَالِهِ مَانِعِي الزَّكَاةِ:"كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ) ). قالَ أبو بَكْرٍ:"فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤدُّونَها إِلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتَلْتُهُمْ عَلى مَنْعِها"."

وفيهِ: بَعْثُ الإمامِ الدُّعَاةَ إلى اللَّهِ تعالى، كما كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخُلَفَاؤُهُ الراشِدونَ يَفْعَلُونَ، كما في المُسْنَدِ عَن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ:"أَلَا إنِّي واللَّهِ مَا أُرْسِلُ عُمَّالِي إليكُم ليَضْرِبُوا أَبْشَارَكم، ولا ليَأْخُذُوا أموالَكم، ولكنْ أُرْسِلُهم إليكم ليُعَلِّمُوكم دينَكم وسُنَنَكم".

قولُهُ: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) ، (أَنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، واللامُ قبلَها مفتوحَةٌ؛ لأنَّها لامُ القَسَمِ. وأنْ والفعْلُ بعدَها في تأويلِ مَصْدَرٍ، رُفِعَ على الابْتِدَاءِ، والخَبَرُ (خَيْرٌ) . و (حُمْرِ) ، بضَمِّ المُهْمَلَةِ وسكونِ الميمِ، جَمْعُ أَحْمَرَ. و (النَّعَمِ) ، بفتحِ النونِ والعينِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: خيْرٌ لكَ مِن الإِبِلِ الحُمْرِ. وهيَ أنْفَسُ أموالِ العَرَبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت