الصفحة 4 من 91

أيْ: إنَّ إِنْفَاقَ أَحَدِهِم مُدًّا أوْ نِصْفَ مُدٍّ أَفْضَلُ منْ إِنْفَاقِ غَيْرِهِم مثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيَّنَ الغرضَ الدَّاعِيَ لهُ إلى هذا النظمِ، وهوَ الحثُّ على عِلْمِ التصريفِ الذي يُتَوَصَّلُ بهِ إلى علمِ اللغةِ، والتي بها يُتَوَصَّلُ إلى فَهْمِ كتابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:

وَبَعْدُ: فالفعلُ مَنْ يُحْكِمْ تَصَرُّفَهُ ... يَحُزْ مِنَ اللُّغَةِ الْأَبْوَابَ وَالسُّبُلَا

وبعدُ هنا من الظروفِ المَبْنِيَّةِ على الضمِّ؛ لِقَطْعِهَا عن الإضافةِ لَفْظًا، والتقديرُ: وَبَعْدَ ما قَدَّمْتُهُ من الحمدِ وغيرِهِ، وهوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الابتداءِ، ولهذا حَسُنَ بَعْدَهُ الفاءُ وَيُسَمَّى عندَ كثيرٍ من العلماءِ فَصْلَ الخطابِ؛ لأنَّهُ يُؤْتَى بهِ فَاصِلًا ما بَيْنَ كَلامَيْنِ لا ارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا، والمرادُ بالفعلِ هنا: الفعلُ الصِّنَاعِيُّ منْ ماضٍ ومضارعٍ وأمرٍ، معَ ما يَشْتَمِلُ على حروفِ الفعلِ وَمَعْنَاهُ منْ مَصْدَرٍ، واسْمَيْ فَاعِلٍ ومفعولٍ، وَاسْمَيْ زَمَانٍ ومكانٍ، وما يَلْتَحِقُ بها؛ وذلكَ لأنَّ عِلْمَ التصريفِ يُبْحَثُ فيهِ عنْ أحوالِ أَبْنِيَةِ الكَلِمِ، والكَلِمُ: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، ولا حَظَّ للحروفِ في التصريفِ، وكذا الأسماءُ المَبْنِيَّةُ والأفعالُ الجامدةُ لِقُوَّةِ شَبَهِهَا بالحروفِ؛ لأنَّها لا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، فَصَارَ عِلْمُ التصريفِ مُخْتَصًّا بالأصالةِ بالأفعالِ المُتَصَرِّفَةِ والأسماءِ المُتَمَكِّنَةِ، وهوَ في الفعلِ أَصْلٌ لكثرةِ تَغْيِيرِهِ بظهورِ الاشتقاقِ فيهِ.

والناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ خَصَّ هذهِ المنظومةَ بالفعلِ مُجَرَّدًا كانَ أوْ مَزِيدًا فيهِ؛ لِمَا ذَكَرَهُ منْ أنَّ أَحْكَامَهُ مفتاحُ مُحْكَمِ اللغةِ: والفعلُ ثلاثةُ أقسامٍ: ماضٍ ومضارعٌ وأمرٌ، ولا بُدَّ لكلِّ فِعْلٍ منْ مصدرٍ ومنْ فاعلٍ، فإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا فلا بُدَّ لهُ منْ مفعولٍ بهِ، وقدْ يُحْذَفُ الفاعلُ وَيُقَامُ المفعولُ بهِ مَقَامَهُ، فَيُحْتَاجُ إلى تَغْيِيرِ صِيغَةِ الفعلِ لهُ، ولا بُدَّ أيضًا لوقوعِ الفعلِ منْ زمانٍ ومكانٍ، وقدْ يكونُ للفعلِ آلةٌ يُفْعَلُ بها، فَانْحَصَرَتْ أَبْوَابُ هذهِ المنظومةِ فيما ذُكِرَ منْ بابِ الفعلِ المُجَرَّدِ وتصاريفِهِ وبابِ أَبْنِيَةِ أسماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ من المُجَرَّدِ والمزيدِ فيهِ، وبابِ أَبْنِيَةِ المصادرِ مُجَرَّدَةً ومزيدةً فيها، وبابِ أسماءِ الزمانِ والمكانِ وما يَلْتَحِقُ بهما من الآلةِ وغيرِهَا.

وإحكامُ الشيءِ: إِتْقَانُهُ وَضَبْطُهُ، والتَّصَرُّفُ: التَّقَلُّبُ، وتَصْرِيفُ الشيءِ: تَقْلِيبُهُ منْ حالٍ إلى حالٍ. وعِلْمُ التصريفِ في الاصطلاحِ ما سَبَقَ. وَيَحُزْ بالحاءِ المُهْمَلَةِ, أي: يَحْوِي وَيُحِيطُ، يُقَالُ: حَازَهُ يَحُوزُهُ حَوْزًا وحِيَازَةً, أي: ضَمَّهُ وَأَحَاطَ بهِ.

والسُّبُلُ جمعُ سَبِيلٍ وهوَ الطريقُ، يُذَكَّرُ/ كلٌّ مِنْهُمَا وَيُؤَنَّثُ، وَبَابُ الشيءِ ما يُدْخَلُ منهُ إليهِ.

والمَعْنَى أنَّ مَنْ أَحْكَمَ عِلْمَ التصريفِ حَوَى أبوابَ اللغةِ وأَحَاطَ بِطُرُقِهَا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الناسَ في ذلكَ ثلاثةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَرَفَ الأبنيةَ والأوزانَ، فهذا تَصْرِيفِيٌّ فَقَطْ، كَمَنْ يَعْلَمُ مثلًا أنَّ مضارعَ فَعُلَ المضمومِ مَضْمُومٌ كَكَرُمَ يَكْرُمُ، وأنَّ قِيَاسَ اسمِ الفاعلِ منهُ على فَعْلٍ وفَعِيلٍ، كَسَهْلٍ وظَرِيفٍ، وقياسَ مصدرِهِ الفَعالةُ والفُعولةُ كالشجاعةِ والسهولةِ، إلَّا أنَّ هذا مُفْتَقِرٌ إلى علمِ اللغةِ الفارقِ لهُ بالنقلِ عنهم بينَ فَعُلَ بالضمِّ, وفَعِلَ بالكسرِ, وفَعَلَ بالفتحِ.

وصِنْفٌ ثَانٍ أَشْرَفَ على مَوَادِّ علمِ اللغةِ بالنقلِ والمطالعةِ, ولا يَعْرِفُ المَوَازِينَ والأَقْيِسَةَ التي يُرَدُّ بها كلُّ نَوْعٌ إلى نوعِهِ، فهذا لُغَوِيٌّ فقطْ لا يَذُوقُ حَلاوةَ علمِ اللغةِ.

وصِنْفٌ ثَالِثٌ عَرَفَ الموازينَ والأقيسةَ أَوَّلًا، ثمَّ تَتَبَّعَ مَوَادَّ اللغةِ نَقْلًا، فهذا هوَ المُتْقِنُ الذي أَحْكَمَ على التصريفِ، وَحَازَ سُبُلَ اللغةِ، وهذا مُرَادُ الناظمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، فإنَّ مُرَادَهُ حَصْرُ مُوَادِّ الأفعالِ كُلِّهَا وَمَعْرِفَةُ ما جاءَ منها مقيسًا وشاذًّا، إلَّا أنَّهُ لَمَّا لم يُمْكِنْهُ ذلكَ حَصَرَ الشاذَّ في أبوابِهِ، وَأَحَالَ على المقيسِ في كُتُبِ اللغةِ، فلهذا شَرَحْتُ أَنَا هذهِ المنظومةَ شَرْحًا مُطَابِقًا لغرضِ الناظمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَبَسَطْتُ القولَ في البابِ الأوَّلِ بكثرةِ الأمثلةِ التي يُحْتَاجُ إليها، فَذَكَرْتُ للفعلِ الرُّبَاعِيِّ نحوَ مِائَةِ مِثَالٍ، وَلِفَعُلَ المضمومِ نحوَ مِائَةٍ أيضًا، وَلِفَعِلَ المكسورِ نحوَ ثلاثِمائةٍ وسبعينَ، منها نحوَ أَرْبَعِينَ لَوْنًا، وَلِمَا اشْتَرَكَا فيهِ نحوَ خَمْسِينَ مِثالًا، وَلِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت