الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .. ... أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نهنئكم أولًا بحلول هذا العيد السعيد، أسعدنا الله وإياكم في الدَّارَيْنِ، وتقبَّل - عز وجل - مِنَّا ومنكم صالح الأقوال والأعمال، وثبَّتنا وإياكم على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وأعاد علينا وعليكم هذا العيد المبارك أعوامًا مديدة وأزمنة عديدة ونحن مُتَمَسِّكون بديننا الحنيف، وفي صِحَّةٍ وعافيةٍ وأمْنٍ ورَخاءٍ، وأمَّتُنا ترفُل في ثيابِ النصر والعِزَّةِ والتمكين .. إنه تعالى قريبٌ مُجيبٌ.
ثم أما بعد؛ فهذه رسالةٌ مختصَرةٌ في بيانِ السُّنَنِ الواردةِ في العِيدَين، منها (عشر) سُنَنٍ (صحيحةٍ) ، و (ثلاثٌ) مُختلَفٌ في ثبوتها.
-سُنَنُ"العِيدين» الصَّحِيحَة، وعددها (10) :"
1 -التَّجَمُّل:
عن نافع - مولى ابن عمر -، (أنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) [1] .
وعن الإمام مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: (سَمِعْتُ أَهْلَ العِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الطِّيبَ والزِّينَةَ في كُلِّ عِيدٍ) انتهى [2] .
2 -الاغتسال قبل الخروج لصلاة العيد:
وعَنْ نَافِعٍ، أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى) [3] .
وعن سعيد بن الْمُسَيَّب - رحمه الله تعالى - أنه قال: (سُنَّةُ الفِطْرِ ثلاث: الْمَشْيُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَالأَكْلُ قَبْلَ الخُرُوجِ، وَالاغْتِسَالُ) [4] .
3 -أكلُ تمراتٍ وِتْرًا قبل صلاة عيد الفِطر، والأكل في عيد الأضحى يكون بعد الصلاة:
عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أنه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، ويأكلهن وِترًا) [5] .
وعن البراء بن عازب - رضيَ اللّهُ عنهما - أنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، َمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ) [6] .
وقد بوَّب البخاري في «صحيحه» : (باب الأكل يوم النحر) ، ثم ذكر هذا الحديث بلفظ آخَرٍ مختصَرٍ مقارِب [7] ، كدليلٍ على فهمه أنَّ الأكل يوم عيد النحر إنما يكون بعد الصلاة.
4 -مخالَفة الطريق في الذهاب إلى المُصَلَّى، والرجوع منه:
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -، أنه قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ) [8] .
5 -التكبير للعيد منذ الخروج من المنزل حتى صلاة العيد:
عن الزهري - رحمه الله تعالى -، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يخْرِجُ يَوْمَ الفِطْرِ فَيُكبِّر حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلَّى، وَحَتَّى يَقْضِي الصَّلاةَ، فَإِذَا قَضى الصَّلاةَ قطَع التَّكْبِيرِ) [9] ، وقال الشيخ الألباني: (وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين مِن التكبير جهرًا في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثيرٌ منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السُّنَّة، حتى كادت أنْ تصبح في خبرِ كان!!، وذلك لضَعف الوازع الديني منهم، وخَجلهم مِن الصَّدع بالسُّنَّة والجهر بها) انتهى [10] ، وقال أيضًا: (ومِمَّا يحسن التذكير به في هذه المناسبة أن الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذِكر يُشرع فيه رفع الصوت) انتهى [11] .
وأما صِفة صيغة التكبير التي تُقال مِن غروب الشمس ليلة العيد حتى صلاة العيد فصِيَغها عديدة، وأصحُّها ما رواه عبد الرزاق الصنعاني عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أنه قال: (كبِّروا اللهَ .. اللهُ أكبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ كَبِيرًا) [12] .
6 -ماذا يقول بين التكبيرات في صلاة العيد؟:
مِن السُّنَّة في صلاة العيد أن يُكبِّر الإمامُ سبعًا في الركعة الأولى قبل القراءة، وخَمسًا في الثانية قبل القراءة، ويُكبِّر خَلْفَه المُصَلُّون، وأمَّا ما يُقال بين هذه التكبيرات فمِن السُّنَّة في ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَقْرَأُ وَتَرْكَعُ، ثُمَّ تَقُومُ فَتَقْرَأُ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ تَدْعُو، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) [13] .
(1) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى، م: 6143» ؛ وصحَّح إسنادَه الحافظان ابن رجب في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري، 8/ 414» ، وابن حجَر في «فتح الباري، 2/ 439» .
(2) يُنظر كتاب «الْمُغْني» ، لابن قُدَامة المقدسي، 2/ 274.
(3) إسناده صحيح: رواه الإمامُ مالك في «الموطأ، م: 609» ؛ وإسناده صحيح جليل.
(4) إسناده صحيح: رواه الفريابي في «أحكام العيدين، م: 18 و 26» ؛ وصحَّح إسنادَه الألباني في «إرواء الغليل، 3/ 104» .
(5) رواه البخاري في «صحيحه، م: 953» .
(6) رواه البخاري في «صحيحه، م: 5560» ، ومسلم برقم: «1961» .
(7) يُنظر «صحيح البخاري» ، 2/ 17.
(8) رواه البخاري في «صحيحه، م: 986» .
(9) أخرجه ابنُ أبي شيْبة في «مصنفه، م: 5621» ؛ وقال عنه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة، م: 171» : (إسنادُه صحيح مرسل، له شاهد موصول يتقوَّى به) انتهى.
(10) مِن تعليقه على «سلسلة الأحاديث الصحيحة، 1/ 331» .
(11) المصدر السابق.
(12) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي في «فضائل الأوقات، م: 227» ، من طريق عبد الرزاق به؛ وصحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري، 2/ 462» ؛ وصحَّح إسنادَه أيضًا الشيخ المُحدِّث عبد العزيز الطَّرِيفي، وقال: (لا يثبُت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صيغة تكبير معيَّنة في العيد، والثابت إنما هو عن الصحابة، ولا حرَج مِن التكبير بأيِّ صيغةٍ) انتهى.
(13) حسَن: رواه البيهقي في «سُننه الكبرى، م: 6186» ، وغيرُه، عن ابن مسعود موقوفًا عليه؛ وصحَّح إسناده الحافظ ابن كثير في «تفسيره، 6/ 472» ، وحسَّن إسناده ابن القيِّم في «جَلاء الأفهام، ص: 442» .