الصفحة 75 من 89

لَمَّا خَلَقَهُ اللهُ كَانَ طُولُهُ سِتِّينَ ذِرَاعًا )) ثم قالَ: (( فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ ) )، أَخْبَرَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنَّ أطولَ الناسِ هو آدَمُ، وأنَّ ذُرِّيَّتَهُ صاروا يَنْقُصُون يَنْقُصونَ إلى هذا الوقتِ، فكيف يقالُ: إنَّ هذا طولُه كذا وكذا؟! فهذا يُكَذِّبُه ما جاءَ في هذه السُّنَّةِ، هكذا نَبَّهَ ابنُ كثيرٍ في التفسيرِ.

القِسمُ الثالثُ: ما هو مَسكوتٌ عنه، لا مِن هذا القبيلِ ولا مِن هذا القبيلِ، لا نَجِدُ ما يُصَدِّقُه ولا نَجِدُ ما يُكَذِّبُه، فهذا لا نُؤْمِنُ به تصديقًا ولا نُكَذِّبُه، وإنما تَجوزُ حكايتُه؛ للاعتبارِ لا للاعتقادِ، ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أَذِنَ في أن نُحَدِّثَ به، وقالَ: (( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبُ ) )، يعني: فيهم حكاياتٌ وأعاجيبُ.

لكنَّ غالبَ ذلك ـ كما ذَكَرَ الشيخُ رَحِمَه الله ـ مما لا فائدةَ فيه تَعودُ إلى أمْرٍ دينيٍّ، قد يكونُ فيها عِبرةٌ، مِثلَ ما ذَكَروا في قِصَّةِ الرجُلِ، التي أُجْمِلَتْ في القرآنِ، في قولِه تعالى في سورةِ الأعرافِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} ، وَرَدَ تَسميتُه أنه: بَلْعَمُ بنُ باعوراءَ، ثم في هذه القصةِ عِبرةٌ؛ لأن اللهَ قالَ: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} إلى آخِرِ القصةِ، وكذلك أيضًا جاءَ في الإسرائيليَّاتِ له قصصٌ، يعني: ما معنى انسلاخِه؟ وكيف انْسَلَخَ؟ وكيف آتاهُ اللهُ آياتِه: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} ؟ وما هي الآياتُ التي آتاهُ اللهُ؟ في ذلك قِصصٌ مُختلِفَةٌ مما يَدُلُّ على أنها ليس عليها دليلٌ، فنَأْخُذُ ما جاءَ في القرآنِ مُجْمَلًا، أما اتِّفاقُهم على أنَّ اسْمَه: بلعمُ فيُقْبَلُ، مع أنَّ ذلك ليس فيه فائدةٌ دينيَّةٌ.

يقولُ: ولهذا اختَلَفَ علماءُ أهلِ الكتابِ في مثلِ هذا كثيرًا، يعني: تُوجَدُ حكاياتٌ يَحْكِيها وَهْبُ بنُ الْمُنَبِّهِ، ثم يَحْكِي أُخرى كعبُ الأحبارِ، ويَقَعُ هناك اختلافٌ، وكذلك الذين يَرْوُونَ عنهم، أو يَأخذونَ عن تلك الكُتُبِ، كمحمدِ بنِ إسحاقَ المُطَّلِبِيِّ صاحبِ السيرةِ، فإنه أيضًا يَأخُذُ عن كُتُبِ بني إسرائيلَ، وكذلك غيرُهم.

يقولُ: ويأتي عن المفسِّرينَ خِلافٌ بسَببِ ذلك؛ يعني: الْمُفَسِّرونَ الذين يُفَسِّرونَ القرآنَ يَختلفونَ بسببِ تلك الحكاياتِ، حيث يُرَجِّحُ بعضُهم روايةَ كعبٍ، وبعضُهم روايةَ نوحٍ، وبعضُهم حكايةَ وهبٍ، وما أَشْبَهَ ذلك.

ثم ذَكَرَ أمثلةً مِن اختلافِهم، يقولُ: كما يَذكرونَ في مِثلِ هذا أسماءَ أصحابِ الكهفِ. اللهُ تعالى ذَكَرَ قِصَّتَهم مُجْمَلَةً, ولم يَذكُرْ أسماءَهم في قولِه تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} إلى آخِرِ القِصَّةِ، ذَكَرَ اللهُ قِصَّتَهم ولم يَذْكُرْ أسماءَهم؛ لأنه لا فائدةَ فيها، إنما يَذْكُرُ ما فيه عِبرةٌ. ولونَ كلبِهم، ذَكَرَ اللهُ شأنَ كلبِهم بقولِه: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بَالْوَصِيدِ} وذَكَرَهم بقولِه: {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} إلى آخِرِها، دَلَّ على أنَّ معَهم كَلْبًا، وأنَّ اللهَ تعالى أَثْبَتَ ذلك، ولكن لا فائدةَ في مَعرفةِ لونِ الكلبِ، فالذين يقولونَ: لونُه كذا أو لونُه كذا لا أَهَمِّيَّةَ لذلك، وكذلك ذَكَرَ اللهُ الْخِلافَ في عِدَّتِهم في قولِه: {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ، يعني: تَخَرُّصًا، ثم قالَ: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} ، قالَ بعضُ العلماءِ: إنَّ هذا يَدُلُّ على أنهم سبعةٌ والثامنُ الكلبُ؛ لأن اللهَ انْتَقَدَ القولينِ الأولينِ: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ، ولم يَنتقِد الثانِيَ، ومع ذلك فإنَّ اللهَ ما أَقَرَّ واحدًا مِن هذه الأقوالِ، بل نَفَى عِلْمَهم عن البشَرِ: قُلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت