عقابُ أهلِ النارِ يأتى في آياتٍ مُجْمَلًا ويأتي مُفَصَّلًا في مَوضِعٍ آخَرَ، مذكورٌ فيه أنواعٌ مِن العذابِ, ما ذُكِرَتْ إلا في ذلك الْمَوْضِعِ.
ولا شَكَّ أنَّ هذا؛ لأن القرآنَ بيانُ اللهِ تعالى، وَصَفَ القرآنَ بقولِه: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} يعني: يُبَيِّنُ لهم الأحكامَ، ثم أيضًا: إنَّ الآياتِ القرآنيَّةَ تَنْزِلُ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، تَنْزِلُ عليه في بعضِ المناسَباتِ لأَجْلِ تَثْبِيتِه، تَثْبِيتِ قَلْبِه، كقولِه تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} إذا نَزَلَتْ عليه فقد تَقْتَضِي المناسَبَةُ أن تكونَ الآيةُ مُجْمَلَةً في بعضِ الأماكنِ، ويَحْصُلُ بذلك التثبيتُ: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} ، وأحيانًا يَحتاجُ إلى زيادةِ إيضاحٍ، فتُوَضَّحُ وتُبَيَّنُ في الأماكنِ الأخرى، ويُبَيَّنُ أنَّ القَصْدَ مِن هذه الْجُملةِ كذا وكذا وأشباهُ ذلك، ومَن أرادَ الأمثلةَ عندَ كلِّ آيةٍ فإنه غالبًا يَجِدُ ذلك في تفسيرِ ابنِ كثيرٍ رَحِمَه اللهُ، وكذلك أيضًا في تفسيرِ الشِّنقيطيِّ رَحمَه اللهُ الذي سَمَّاهُ (أضواءَ البيانِ في إيضاحِ القرآنِ بالقرآنِ) ، وهناك أيضًا تفسيرٌ واسعٌ لأحَدِ العلماءِ الْمِصْرِيِّينَ سَمَّاهُ (تفسيرَ القرآنِ للقرآنِ) يعني: إيضاحَ الآياتِ بعضِها لبعضٍ.
وسببُ اهتمامِهم بذلك: أنَّ كثيرًا مِن الذين يُفَسِّرونَ قد يَحْمِلُون الآيةَ على ما يَفهمونَه، ولا يَتَفَطَّنونَ للمواضِعِ الأخرى، فيَقعونَ في الغَلَطِ، بعضُهم فَسَّرَ آيةَ الاستواءِ في طه في قولِه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} ، فقالَ: {اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} يعني: أنَّ قولَه: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} تفسيرٌ لاسْتَوَى، يعني: مَلَكَ ما في السماواتِ، أو ذَلَّ له ما في السماواتِ، وغَفَلُوا عن الآياتِ الأخرى، مثلِ قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أو {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} ، ففَسَّروا آيةً في مَوْضِعٍ، ولم يَتَذَكَّرُوا المواضِعَ الأُخْرَى.
كذلك بعضُ الحُلُولِيِّينَ فَسَّرُوا قولَ اللهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} ، فقالوا: إنَّ اللهَ في السماواتِ وفي الأرضِ، هكذا قالُوا، وغَفَلُوا عن تفسيرِها بالآيةِ التي في سورةِ الزُّخْرُفِ، وهي قولُ اللهِ تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} ، يعني: أنه إلهُ مَن في السماواتِ، وإلهُ مَن في الأرضِ، ويكونُ هذا معنى آيةِ الأنعامِ: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} يعني: وهو الإلهُ في السماواتِ وفي الأرضِ.
فيَتَبَيَّنُ بذلك أنَّ كثيرًا مِن الذينَ يَأخذونَ آيةً في مَوْضِعٍ، ويَحْمِلُونَها على أفهامِهم قد غَفَلُوا عن تفسيرِها بالآياتِ الأخرى التي تُبَيِّنُ معناها، مع أنَّ التفاسيرَ الأخرى، أو تفسيرَ الصحابةِ، أو تفسيرَ الأحاديثِ، لو رَجَعُوا إليه لكان كافيًا، ولكنَّ كثيرًا منهم لَمَّا كان لهم أهواءٌ ولهم مَيْلٌ غَفَلُوا عن الآياتِ الأخرى، وأَخَذُوا ببعضِ ما رُوِيَ، وقد ذَكَرْنَا قِصَّةَ ذلك الْجَهْمِيِّ الذي جاءَ إلى أبي عمرٍو القاري، وطَلَبَ منه أن يَقرأَ قولَ اللهِ تعالى: (وَكَلَّمَ اللهَ مُوسَى تَكْلِيمًا) ، فبَيَّنَ له أبو عمرٍو: إنك غَفَلْتَ عن قولِ اللهِ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ، فإنك لا تَقْدِرُ على أن تُحَرِّفَ تلك الآيةَ، وكذلك الذين فَسَّرُوا: {كَلَّمَهُ رَبُّهُ} قالوا: جَرَّحَهُ ربُّه، غَفَلوا أيضًا عن قولِ اللهِ تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلَامِي} ، فإنَّ اللهَ تعالى بَيَّنَ بكلامِه أنَّ قولَه: {كَلَّمَهُ رَبُّهُ} يعني: بالكلامِ المسموعِ، وغَفَلوا أيضًا آياتِ النداءِ التي فيها: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} ، {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَى} ، وكذلك المناجاةُ: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} ، فيَأخذونَ مَوْضِعًا ويَحْمِلُونَه على ما يَهْوَوْنَهُ، ويَغْفُلون عن المواضِعِ الباقيةِ، فيكونُ ذلك دليلًا على غَفْلَتِهم. والأمثلةُ كثيرةٌ.