فهذا أَحْسَنُ ما يكونُ في حكايةِ الْخِلافِ؛ أن تُسْتَوْعَبَ الأقوالُ في ذلك الْمَقامِ، وأن يُنَبَّهَ على الصحيحِ منها، ويُبْطَلَ الباطلُ، وتُذْكَرَ فائدةُ الخلافِ وثمرتُه؛ لئلا يَطولَ النزاعُ والخلافُ فيما لا فائدةَ تَحْتَه، فيُشْتَغَلُ به عن الأَهَمِّ.
فأمَّا مَن حَكَى خِلافًا في مسألةٍ، ولم يَستوعِبْ أقوالَ الناسِ فيها فهو ناقصٌ؛ إذ قد يكونُ الصوابُ في الذي تَرَكَه، أو يَحْكِي الْخِلافَ ويُطْلِقُه ولا يُنَبِّهُ على الصحيحِ مِن الأقوالِ؛ فهو ناقصٌ أيضًا، فإنْ صَحَّحَ غيرَ الصحيحِ عامِدًا فقد تَعَمَّدَ الكَذِبَ، أو جاهلًا فقد أَخْطَأَ، كذلك مَن نَصَبَ الْخِلافَ فيما لا فائدةَ تحتَه، أو حَكَى أقوالًا مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا؛ ويَرْجِعُ حاصلُها إلى قولٍ أو قولينِ معنًى؛ فقد ضَيَّعَ الزمانَ، وتَكَثَّرَ بما ليسَ بصحيحٍ، فهو كلابِسٍ ثَوْبَيْ زُورٍ. واللهُ الموفِّقُ للصوابِ).
الشرْحُ:
شَرْحٌ: هاهنا يَذْكُرُ المؤلِّفُ رَحِمَه اللهُ أَحْسَنَ طُرُقِ التفسيرِ وأولاها بالاعتبارِ، فيقولُ: إنَّ أَصَحَّ الطرُقِ في ذلك: أن يُفَسَّرَ القرآنُ بالقرآنِ؛ أن تُفَسَّرَ الآياتُ بعضُها ببعضٍ، ويُعَلِّلُ: بأنَّ ما أُجْمِلَ في مكانٍ فإنه قد فُسِّرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، يعني: في مكانٍ مُجْمَلٍ، وفي مكانٍ آخَرَ مُفَسَّرٍ ومُفَصَّلٍ، وما اخْتُصِرَ مِن مكانٍ فقد يُبْسَطُ في مَوضعٍ آخَرَ، يعني: أحيانًا يَخْتَصِرُ اللهُ تعالى القصةَ، ثم يَبْسُطُها في موضِعٍ آخَرَ.
وقد سَلَكَ ابنُ كثيرٍ رَحمَه اللهُ في التفسيرِ هذه الطريقةَ: تفسيرَ القرآنِ بالقرآنِ، فهو إذا ذَكَرَ آيةً فيها شيءٌ مِن الإجمالِ؛ ذَكَرَ الآياتِ الأخرى التي فيها شيءٌ مِن التفصيلِ، وقد تكونُ الْمُجْمَلَةُ مُفَسَّرَةً بما بعدَها، مثلَ قولِه تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} ، فَسَّرَ الهلوعَ بالآيةِ التي بعدَها، وهي قولُه: {إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} ، فهذا تفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ.
وأما في القَصَصِ فإنها تكونُ أيضًا كثيرةً، يَكْثُرُ فيها الإجمالُ ويَكْثُرُ التفصيلُ، مثلَ قولِ اللهِ تعالى عن قِصَّةِ موسى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا} ففي هذا قالَ: {كَأَنَّهَا جَانٌّ} ، والجانُّ: يَعُمُّ ما كان مُتَشَيْطِنًا مِن الْجِنِّ، ويَعُمُّ أنواعًا مِن الأفاعي ونحوِها، ولكنْ بَيَّنَه في آياتٍ أُخْرَى؛ ففي سورةِ طه: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ، ذكَرَ فيها أنها حَيَّةٌ، فهو بيانٌ للجانِّ أنه الحيَّةُ، وفي سورةِ الأعرافِ قالَ تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} ، والثعبانُ نوعٌ مِن الحيَّاتِ، وفَصَّلَ اللهُ تعالى الجانَّ في الآيةِ الأخرى {كَأَنَّهَا جَانٌّ} بقولِه: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ} ، {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ} ، وما أَشْبَهَ ذلك. وكذلك مَثَلًا في قِصَّةِ موسى خاطَبَه اللهُ تعالى بقولِه: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} ، في هذه الآيةِ نوعٌ مِن الإجمالِ فُصِّلَ في سورةِ القَصَصِ، في قولِه تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} ، إلى قولِه: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} ، فقولُه: يُشْبِهُ ذلك. وكذلك مَثَلًا في قِصَّةِ موسى؛ خاطَبَه اللهُ تعالى بقولِه: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} ، في هذه الآيةِ نوعٌ مِن الإجمالِ فُصِّلَ في سورةِ القَصصِ، في قولِه تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} ، إلى قولِه: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} ، فقولُه: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} فُسِّر في الآيةِ الأخرى بأنه فرعونُ: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لِهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} إلى آخِرِ الآياتِ.
وكذلك في كثيرٍ مِن قَصصِ الأنبياءِ تأتي مُجملَةً، كما في سورةِ الحاقةِ: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} ، أُجملَت الطاغيةُ هاهنا، وفُسِّرَتْ في مكانٍ آخَرَ أو في أماكنَ، كقولِه تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} ، ففُسِّرَت الطاغيةُ بأنها الصيحةُ. وكذلك الآياتُ المجمَلةُ في الثوابِ والعقابِ؛ كثيرًا ما يَذْكُرُ اللهُ تعالى ثوابَ أهلِ الجنةِ مُجْمَلًا ويُفَصِّلُه في مَوْضِعٍ آخَرَ، وكذلك