الصفحة 47 من 89

جوابٌ: الصابونيُّ أشعريٌّ، مُتَمَسِّكٌ بأشعريَّتِه، قد حاوَلَ فيه بعضُ العلماءِ أن يَتراجعَ؛ ولكنه أصَرَّ على مُعتقَدِه؛ لأنه تَلَقَّى ذلك عن مشائِخِهِ؛ ففيه بعضُ الأخطاءِ؛ في هذا التفسيرِ فيما يَتعلَّقُ بالعقيدةِ، قد نَبَّهَ عليها بعضُ العلماءِ، ومنهم الشيخُ جميل زينو وطَبَعَ بعضَ الملاحظاتِ عليه، كذلك الشيخُ صالحُ بنُ فوزانَ، كلُّهم لاحَظُوا عليه ملاحظاتٍ، فتفسيرُه كسائرِ تفسيرِ الأشاعرةِ، يعني: كتفسيرِ الواحديِّ، وتفسيرِ البيضاويِّ، وتفسيرِ أبي السعودِ، ونحوِها مِن تفاسيرِ الأشاعرةِ.

والذين يَعتَنِقُونَها ويُوصُونَ بها كثيرٌ. نَتَذَكَّرُ أنَّ بعضَ مَشائِخِنَا قبلَ ثلاثينَ سنةً، ونحن في مَرحلةِ الماجستيرِ؛ أَخَذَ يُوصِينَا يقولُ: عليكم بتفسيرِ النسَفِيِّ، تَفْسِيرِ النسفِيِّ؛ يَحُثُّ عليه، ولما قَرَأْنَاهُ وَجَدْنا فيه هذه التأويلاتِ فيما يَتعلَّقُ بالصفاتِ، قد نَبَّهَ عليها بعضُ الإخوةِ في مَقالةٍ، لعلها نُشِرَتْ، أو تُنْشَرُ في مَجَلَّةِ البحوثِ.

قَرَأْنَا فيما مَضَى ما قالَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى عن كثيرٍ مِن المبتدِعَةِ الذين وَقَعُوا في تأويلِ الآياتِ على حَسَبِ مُعتقداتِهم، وكذلك حُكْمَ تلكَ الأقوالِ الشاذَّةِ ومتى يَصْدُقُ القولُ؟ ومتى لا يَصْدُقُ؟ وبيانَ الأدِلَّةِ التي تَدُلُّ على أنَّ القولَ ثابتٌ، وضَرَبَ لذلك أَمثلةً فيما إذا جاءَ الحديثُ مِن طريقينِ، وعُرِفَ أنَّ أَحَدَهما لم يَتَّفِقْ بالآخَرِ ولم يَأْخُذْ عنه فيُقْطَعُ بصحَّتِه إذا تَوافَقَ الحديثانِ، وتَعَرَّضَ أيضًا لأخبارِ الآحادِ، وبيانِ أنها تُفيدُ العلْمَ, لا تُفيدُ الظنَّ، وأنَّ الذينَ رَدُّوها رَأَوْا أنها تُخَالِفُ ما يَعتقدونَه فتَكَلَّمُوا فيها، ورَدُّوا دَلالتَها.

الْمَتْنُ:

(فصلٌ)

وأما النوعُ الثاني مِن سَبَبَيِ الاختلافِ، وهو ما يُعلَمُ بالاستدلالِ لا بالنقْلِ؛ فهذا أكثرُ ما فيه الخطأُ مِن جِهتينِ؛ حَدَثَتَا بعدَ تفسيرِ الصحابةِ والتابعينَ وتابعيهم بإحسانٍ؛ فإنَّ التفاسيرَ التي يُذْكَرُ فيها كلامُ هؤلاءِ صِرْفًا؛ لا يَكادُ يُوجَدُ فيها شيءٌ مِن هاتينِ الجهتينِ، مِثْلُ تفسيرِ عبدِ الرزاقِ، ووكيعٍ، وعبدِ بنِ حُمَيْدٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ إبراهيمَ، ومثلُ تفسيرِ الإمامِ أحمدَ، وإسحاقَ بنِ راهويهِ, وبَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ، وأبي بكرِ بنِ المنذِرِ، وسفيانَ بنِ عُيينةَ، وسُنَيدٍ، وابنِ جَريرٍ، وابنِ أبي حاتمٍ، وأبي سعيدٍ الأَشَجِّ، وأبي عبدِ اللهِ بنِ ماجهْ، وابنِ مَردويهِ. أحدُهما: قومٌ اعْتَقَدوا معانيَ ثم أَرَادُوا حَمْلَ ألفاظِ القرآنِ عليها، والثاني: قومٌ فَسَّرُوا القرآنَ بِمُجَرَّدِ ما يَسوغُ أن يُريدَه بكلامِه مَن كان مِن الناطقينَ بلغةِ العربِ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى المتكلِّمِ بالقرآنِ، والمنَزَّلِ عليه، والمخاطَبِ به.

فالأوَّلونَ راعَوُا المعنى الذي رَاعَوْهُ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما تَستحِقُّه ألفاظُ القرآنِ مِن الدَّلالةِ والبيانِ، والآخَرونَ رَاعَوا مُجَرَّدَ اللفظِ، وما يَجوزُ عندَهم أن يُريدَ به العربيُّ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما يَصْلُحُ للمتكلِّمِ به وسياقِ الكلامِ.

ثم هؤلاءِ كثيرًا ما يَغْلَطُونَ في احتمالِ اللفظِ لذلك المعنى في اللغةِ، كما يَغْلَطُ في ذلك الذين قبلَهم، كما أنَّ الأوَّلينَ كثيرًا ما يَغْلَطونَ في صِحَّةِ المعنى على الذي فَسَّرُوا به القرآنَ، كما يَغْلَطُ في ذلك الآخِرونَ؛ وإنْ كان نَظَرُ الأوَّلِينَ إلى المعنى أَسْبَقَ، ونَظَرُ الآخِرينَ إلى اللفظِ أَسْبَقَ.

والأوَّلونَ صِنفانِ: تارةً يَسْلُبُونَ لفظَ القرآنِ وما دَلَّ عليه وأُريدَ به، وتارةً يَحْمِلُونَه على ما لم يَدُلَّ عليه ولم يُرَدْ به، وفي كِلا الأمرينِ قد يكونُ ما قَصَدُوا نَفيَهُ أو إثباتَه مِن المعنى باطلًا، فيكونُ خَطَؤُهُم في الدليلِ والمدلولِ، وقد يكونُ حقًّا فيكونُ خَطَأً في الدليلِ لا في المدلولِ، وهذا كما أنه وَقَعَ في تفسيرِ القرآنِ؛ فإنه وَقَعَ أيضًا في تفسيرِ الحديثِ. فالذين أَخْطَأُوا في الدليلِ والمدلولِ - مثلُ طوائفَ مِن أهلِ الْبِدَعِ - اعْتَقَدُوا مَذهبًا يُخالِفُ الحقَّ الذي عليه الأمَّةُ الوَسَطُ، الذين لا يَجتمعونَ على ضلالةٍ، كسَلَفِ الأمَّةِ وأَئِمَّتِهَا، وعَمَدوا إلى القرآنِ؛ فتَأَوَّلُوهُ على آرائِهم، تارةً يَستدِلُّونَ بآياتٍ على مَذهبِهم ولا دَلالةَ فيها, وتارةً يَتأوَّلونَ ما يُخالِفُ مَذهبَهم بما يُحَرِّفُونَ به الكلِمَ عن مَواضِعِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت