التأويلاتِ الباردةَ، أو يَجْعَلُه دليلًا له في مسائلِ العلْمِ، مع أنَّ أهلَ العلْمِ بالحديثِ يَعرفونَ أنَّ مِثلَ هذا غَلَطٌ". يَحْدُثُ أنَّ كثيرًا مِن الذينَ لم يكن الحديثُ صناعتَهم؛ يَرَى أحدُهم روايةً في حديثٍ قد حَكَمَ العلماءُ بأنها غَلَطٌ، ثم يُصَحِّحُها، ثم يَتكلَّفُ بالجمْعِ بينَها وبينَ الرواياتِ، أو يَجْعَلُها صفةً من الصفاتِ. يَذكرونَ لصلاةِ الخوفِ أمثلةً كثيرةً، لكنَّ الصحيحَ منها خمسُ صِفاتٍ، لكنَّ بعضَ العلماءِ كُلَّما رَوَى أو وَقَفَ على روايةٍ فيها نوعُ مُخالَفَةٍ؛ جَعَلَها سادسةً، ثم يَرَى روايةً أُخْرَى فيها نوعُ مُخالفَةٍ يسيرةٍ؛ يَجْعَلُها سابعةً وثامنةً وتاسعةً، فيَجعلُ هذه الصفاتِ مُتعدِّدَةً. وهذا غَلَطٌ."
نقولُ: إنها محصورةٌ مَثلًا في خمسِ صفاتٍ، وإنَّ هذه الروايةَ مَحمولةٌ على أنَّ هذه اللفظةَ غَلَطٌ مِن بعضِ الرواةِ، فلا تُجْعَلُ صفةً أُخرى، ولا يُتَكَلَّفُ فيها، وهكذا ـ مَثَلًا ـ أحاديثُ الإسراءِ، وَقَعَ في كثيرٍ منها غَلَطٌ، فإذا رأى بعضُهم روايةً تخالِفُ روايةً أخرى؛ جعَلَ الإسراءَ مَرتينِ والمعراجَ مَرَّتينِ، ثم يَرَى روايةً أُخرى فيها شيءٌ مِن المخالَفَةِ؛ فيَجعلُ المعراجَ ثلاثَ مَراتٍ، ثم يَرَى روايةً أُخْرَى؛ فيَجعلُ المعراجَ أربعَ مَراتٍ، وهكذا؛ وذلك لعَدَمِ مَعرفتِهم بصَنعةِ الحديثِ. فالأَوْلَى أن نقولَ: هذه غَلِطَ فيها هذا الراوِي، أَبْدَلَ لفظةً بَدَلَ لفظةٍ، أو هذه مَنامٌ وليستْ هي الْمِعراجَ، أو ما أَشْبَهَ ذلك.
يقولُ:"كما أنَّ على الحديثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بها أنه صِدْقٌ وقد يُقْطَعُ بذلك ..."إذا كان على الحديثِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بها أنه صِدْقٌ، فكذلك عليه أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بها أنه كَذِبٌ، ويُقْطَعُ بذلك. مِثلُ ما يُقْطَعُ بكَذِبِ ما يَرويهِ الوَضَّاعونَ مِن أهلِ البِدَعِ والغُلُوِّ في الفضائلِ. الوَضَّاعُونَ: الذين يَضعونَ أحاديثَ مِن قِبَلِ أنفُسِهم، ليس لها أَصْلٌ، فهذه يُعْلَمُ بأنها موضوعةٌ، وتَجِدُونَها في كُتُبِ الموضوعاتِ: كتابِ ابنِ الجوزيِّ (الموضوعاتُ) ، وكتابِ السيوطيِّ، وكتابِ الشوكانيِّ: (الفوائدُ المجموعةُ في الأحاديثِ الموضوعةِ) ، وكتابِ ابنِ عراقٍ، وغيرِها مِن الْكُتُبِ، كتابُ ابنِ عراقٍ يقولُ: إنه أَوفاها، واسمُه (تنزيهُ الشريعةِ المرفوعةِ) ، وغيرِها مِن الكُتُبِ، فذَكَرَ المحدِّثونَ أنَّ الوَضَّاعينَ يكونُ لهم أَغراضٌ في وَضْعِ الحديثِ، ذَكَرُوهُ في كُتُبِ الْمُصْطَلَحِ، فيَقْطَعُ العلماءُ بأنَّ هذا موضوعٌ، وَضَعَهُ بعضُ أهلِ البِدَعِ، أو وَضَعَه أهلُ الغلُوِّ في الفضائلِ، مِثْلُ أحاديثَ في يومِ عاشوراءَ، يومُ عاشوراءَ يُعَظِّمُه بعضُ الْجَهلةِ مِن النواصبِ، فيَجعلونَه يومَ فَرَحٍ، فوَضعوا فيه أحاديثَ كثيرةً: أنَّ مَن صَلَّى فيه ركعتينِ كان له كأَجْرِ كذا وكذا نَبِيًّا، وأنَّ مَن اكْتَحَلَ فيه لم تَرْمَدْ عَيناهُ أَبَدًا، وأنَّ مَن ادَّهَنَ فيه كان له كذا وكذا، وأنَّ مَن لَبِسَ فيه جديدًا فله أَجْرُ كذا وكذا، وأنَّ مَن وَسَّعَ على أهلِه وَسَّعَ اللهُ عليه طَوالَ حياتِه.
ومع ذلك فإنَّ هذه الأحاديثَ موضوعةٌ، ومع الأسفِ يَذْكُرُها الذين يُصَنِّفُونَ في الفضائلِ، حتى ابنُ الجوزيِّ رَحِمَه اللهُ في كُتُبِه الوعظيَّةِ سَرَدَ هذه الأحاديثَ، ولم يُنَبِّهْ على أنها مَوضوعةٌ.
وكذلك أحاديثُ في الطرَفِ الثاني، وهم الرافضةُ؛ فإنهم ذَكَرُوا أنه يومٌ مَشؤومٌ، وذَكَروا فيه أحاديثَ موضوعةً، يُعْرَفُ بأنها كَذِبٌ، ذَكَرَ بعضُ الإخوةِ أنه قبلَ ثلاثينَ سنةً؛ لمَّا أَهْلُ الأحساءِ مِن الشيعةِ اجْتَمَعُوا في يومِ عاشوراءَ؛ قَدِمَ إليهم عالِمٌ مِن علماءِ العراقِ، وأخَذَ يَخْطُبُهم، وقالَ: إنَّ مما رُوِّينَا أنَّ المرأةَ لو أَوْقَدَتْ على هذه الأطعمةِ بخُوصةٍ؛ وكانت قد زَنَتْ سبعينَ مَرَّةً؛ غُفِرَ لها ذلك. فعندَ ذلك قالَ بعضُ الحاضرينَ: هذه ليستْ صحيحةً. تريدُ أنَّ بناتِنا يَفْعَلْنَ كذا؛ فعُرِفَ بذلك أنَّ هذا مِن المبالَغَةِ في الكَذِبِ، وما أَشْبَهَ ذلك.