عليهم. يعني: يُوجَدُ أحاديثُ في التفسيرِ مَرفوعةٌ يَنْقُلُها العلماءُ. وأكثرُ مَنْ يَعتنِي بها ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ وذلكَ لأنَّهُ مِن الْمُحَدِّثِينَ، فهوَ يُفَسِّرُ الآياتِ بالآياتِ، ثمَّ يَسْتَدِلُّ عليها بالأحاديثِ، وإنْ كانَ أيضًا قدْ يَسْتَدِلُّ بأحاديثَ ضعيفةٍ لكنْ يَروِيهَا بأسانيدِها، فيقولُ: قالَ الإمامُ أحمدُ كذا، قالَ الإمامُ البَزَّارُ كذا، ثمَّ يَسْرُدُ الإسنادَ.
يقولُ:"والنقْلُ الصحيحُ يَدْفَعُ ذلكَ"يعني: يَدْفَعُ الكَذِبَ، بلْ هذا موجودٌ فيما مُسْتَنَدُهُ النقْلُ، يعني: الأدلَّةَ النقليَّةَ: كلُّ شيءٍ مُسْتَنَدُهُ النقلُ، يعني: بالأسانيدِ، فإنَّهُ مَوجودٌ فيهِ، وفيما قدْ يُعْرَفُ بأمورٍ أخرى غيرِ النقْلِ، فقدْ يُوجَدُ أيضًا أقوالٌ قالَها بعضُ السلَفِ، عليها دليلٌ، وإنْ لمْ يكُنْ مَنقولًا.
يقولُ:"والمقصودُ أنَّ المنقولاتِ التي يُحتاجُ إليها في الدِّينِ قدْ نَصَبَ اللَّهُ الأدلَّةَ على بَيَانِ ما فيها مِنْ صحيحٍ وغيرِهِ"كلُّ شيءٍ يَحتاجُ إليهِ الناسُ في الدِّينِ فلا بُدَّ أنْ يكونَ عليها أدِلَّةٌ تُبَيِّنُ ما فيها مِنْ صحيحٍ وغيرِهِ، مِثلُ أحاديثِ الأحكامِ وآياتِ الأحكامِ وآثارِ الأحكامِ؛ الحلالِ والحرامِ، نَصَبَ اللَّهُ تعالى عليها أدِلَّةً تُبَيِّنُ صحيحَها وضعيفَها، ووَفَّقَ اللَّهُ تعالى عُلماءَ الأمَّةِ فبَيَّنُوا الصحيحَ مِن الضعيفِ، وبَيَّنُوا الصدْقَ مِن الكذِبِ. ومعلومٌ أنَّ المنقولَ في التفسيرِ أكثرُهُ كالمنقولِ في المغازِي والْمَلاحِمِ، يعني: أكثرَ ما نُقِلَ في التفسيرِ مثلُ ما نُقِلَ في الْمَغازِي. والمغازي كَتَبَ فيها العُلماءُ كثيرًا، وكذلكَ الْفِتَنُ والملاحِمُ. يقولُ الإمامُ أحمدُ: ثلاثةُ أمورٍ ليسَ لها إسنادٌ: التفسيرُ والملاحِمُ والمغازِي. يعني: أنَّ أكثرَ الناسِ يَرْوُونَها بدونِ إسنادٍ.
أمَّا التفسيرُ ففيهِ كثيرٌ رُوِيَ بالأسانيدِ، ولكنَّ غالبَهُ مَوقوفٌ، مَثلًا: ابنُ جَريرٍ يَرويها بالأسانيدِ، وابنُ أبي حاتمٍ يَرْوِي أَثَرًا ثمَّ يقولُ: ورُوِيَ عنْ فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ مِثْلُ ذلكَ.
وكذلكَ أيضًا المغازي كَتَبَ فيها عُلماءُ كمُحَمَّدِ بنِ إسحاقَ صاحبِ السيرةِ، وكذلكَ موسى بنُ عُقبةَ وغيرُهم ممَّنْ كَتَبُوا في الْمَغازي وفي السيرةِ النبويَّةِ، والغالبُ أنَّ أكثرَها نَقْلٌ. قدْ لا يَتَثَبَّتُونَ مِن الأحاديثِ فيأخُذُونَها مِنْ أَفْوَاهِ الرجالِ دونَ أنْ يقولَ ذلكَ الذي حَدَّثَ بها: إنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ فُلانٍ، فيَذكرونَ المغازِيَ والفتوحاتِ. المغازِيَ التي في عهْدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، والمغازِيَ التي في عهدِ الخلفاءِ الراشدينَ، كفتْحِ الشامِ وفتْحِ العراقِ وفتْحِ مصرَ وفتْحِ اليمنِ وفتْحِ المغربِ والمشرِقِ، غالبًا أنَّها ليسَ لها أَسَانِيدُ، وإنَّما تُرْوَى بالنقْلِ، فيقولُ الكاتبُ: حَدَثَ كذا وكذا، اجتمَعَ مِن القومِ كذا، وغَزَوْا إلى كذا، وأشباهُ ذلكَ.
كذلكَ الملاحِمُ وهيَ الفتَنُ التي وَقعتْ بينَ الصحابةِ، كقِصَّةِ قتْلِ عثمانَ، ثمَّ وَقْعَةِ الجمَلِ ثمَّ وَقعةِ صِفِّينَ، ثمَّ القتالِ الذي حَصَلَ في عهْدِ ابنِ الزبيرِ حتَّى قُتِلَ، ثمَّ وَقعةِ الْحَرَّةِ، وما أَشْبَهَ ذلكَ. الغالبُ أنَّهُ ليسَ لها أسانيدُ، وإنَّما تُرْوَى بالتناقُلِ"بالنقْلِ". ولا يَزالُ الناسُ إلى الآنَ في الملاحِمِ، وكذلكَ الوقائعُ والتاريخُ، إنَّما يَعتمِدونَ فيهِ على نَقْلِ واحدٍ عنْ واحدٍ. يقولُ: ليسَ لها أيُّ أَصْلٍ. أيْ: ليسَ لها إسنادٌ، الغالبُ عليها الْمَراسيلُ، مثلَ ما يَذكرُهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، يعني: يَذْكُرُ كثيرًا مِن الوقائعِ. والشافعيُّ وعامرُ بنُ شُرَحْبِيلٍ مِنْ حُفَّاظِ التابعينَ، والزهريُّ مُحَمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ شِهابٍ، وموسى بنُ عُقبةَ صاحبُ السيرةِ، ومُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ صاحبُ السيرةِ، ومَنْ بعْدَهم كيحيى بنِ سعيدٍ الأُمَوِيِّ، والوليدِ بنِ مسلمٍ، والواقديِّ ونحوِهم في الْمَغازي. إلاَّ أنَّ الواقِدِيَّ -واسمُهُ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ- غيرُ ثِقَةٍ، يَرْوِي عنهُ كثيرونَ كمُحَمَّدِ بنِ سعدٍ في الطَّبَقاتِ، يَعتمِدُهُ في كثيرٍ مِن التراجمِ، ولكنْ ضَعَّفُوهُ في الحديثِ وضَعَّفُوهُ في النقْلِ، ولهُ كتابٌ مطبوعٌ اسْمُهُ المغازي, وفيهِ قِصَصٌ عجيبةٌ طويلةٌ يُتَعَجَّبُ مِنْ وُقُوعِها، يَغْلِبُ أنَّ فيها شيئًا مِن المبالَغَةِ، ولوْ أنَّهُ يقولُ في أثناءِ بعضِها: إنَّنا نَتَحَرَّى، إنَّنا نَعْتَمِدُ الصدْقَ، إنَّنا نقولُ كذا وكذا. ولكنْ وَقَعَ فيها مُبَالَغاتٌ تَدُلُّ على أنَّ فيها ما هوَ كَذِبٌ.
يقولُ:"أَعْلَمُ النَّاسِ بالمغازِي أهلُ المدينةِ". يعني: غزواتِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، ثمَّ أهلُ الشامِ، يعني: بغَزْوِ فتوحِ الشامِ. مَغَازِي الواقديِّ اسمُها فُتوحُ الشامِ. ثمَّ أهلُ العراقِ كأصحابِ ابنِ مسعودٍ. أهلُ المدينةِ أَعْلَمُ بها؛ لأنَّها كانتْ عندَهم، يعني: