الصفحة 35 من 89

فمِثلُ هذهِ الإسرائيليَّاتِ التي عنْ كعبٍ ووَهْبٍ، وكذلكَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إسحاقَ صاحبِ السِّيَرِ، الذي كانَ أيضًا عنْدَهُ بَعْضُ الكُتُبِ التي نَسَخَها مِنْ كُتُبِ بني إسرائيلَ، وغيرِهم ممَّنْ يَأخذونَ عنْ أهلِ الكتابِ؛ هذا لا يَجوزُ تصديقُهُ ولا تكذيبُهُ إلاَّ بِحُجَّةٍ.

اسْتَدَلَّ بقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُصَدِّقُوهُمْ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوهُ ) )، فقولوا مثلَ ما قالَ اللَّهُ، قالَ تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} ، هذا إيمانٌ مُجْمَلٌ، آمَنَّا بالذي أُنْزِلَ إلينا وأُنْزِلَ إليكم، مثلُ الإيمانِ المُجْمَلِ في قولِهِ تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} إيمانًا مُجْمَلًا، ما كانَ فيهِ مِنْ حَقٍّ فإنَّا نَقْبَلُهُ، إنْ كانَ في غَيْرِ شَرْعِنا نُؤْمِنُ بهِ إيمانًا مُطْلَقًا، ويَكْفِينَا العملُ بما في شَرْعِنَا.

وكذلكَ ما نُقِلَ عنْ بعضِ التابعينَ وإنْ لمْ يَذْكُرْ أنَّهُ أَخَذَهُ عنْ أهلِ الكتابِ، فكثيرٌ مِن التابعينَ أيضًا يَنقُلُونَ عنْ أهلِ الكتابِ، يَنْقُلُونَ عنْ كعبٍ وعنْ وهبٍ وعنْ كُتُبٍ أَخَذُوها أيضًا، اسْتَنْسَخُوهَا مِنْ كُتُبِ بني إسرائيلَ. فمتى اخْتَلَفَ التابعونَ لمْ يكُنْ بعضُ أقوالِهم حُجَّةً على بعضِ. إذا اخْتَلَفُوا في تفسيرِ آيَةٍ فلا يُقالُ: الدليلُ معَ فلانٍ، أو الصوابُ قولُ فُلانٍ، إلاَّ بِحُجَّةٍ. وما نُقِلَ في ذلكَ عنْ بعضِ الصحابةِ نَقْلًا صحيحًا فالنفْسُ إليهِ أَسْكَنُ؛ وذلكَ أنَّهُ قدْ يُنْقَلُ عن الصحابةِ في هذهِ الأخبارِ بعضُ الأشياءِ والنفْسُ أَسْكَنُ إلى ذلكَ، فيَقْرُبُ أنَّهُ أَصَحُّ وأَسْكَنُ مِمَّا نُقِلَ عنْ بعضِ التابعينَ؛ لأنَّ احتمالَ أنَّهُ يكونُ سَمِعَهُ مِن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ أوْ مِنْ بعضِ مَنْ سَمِعَهُ منهُ أَقْوَى.

وكثيرًا ما يُنْقَلُ عنْ بعضِ الصحابةِ حديثٌ مَرفوعٌ ثمَّ يُنقَلُ عنْ صحابيٍّ آخَرَ مَوقوفًا، فيَتَبَيَّنُ أنَّ هذا الموقوفَ لهُ حُكْمُ المرفوعِ؛ لأنَّهُ جاءَ مرفوعًا مِنْ طريقٍ أُخْرَى. نَقْلُ الصحابةِ عنْ أهلِ الكتابِ أَقَلُّ مِنْ نَقْلِ التابعينَ، فإنْ كانَ بعضُ الصحابةِ يَنْقُلُ عنهم؛ لكنَّ ذلكَ أَقَلُّ مِنْ نَقْلِ التابعينَ.

إذا جَزَمَ الصحابيُّ فيما يقولُهُ فكيفَ يُقَالُ: إنَّهُ أَخَذَهُ عنْ أهلِ الكتابِ؟ معَ أنَّهُم قيلَ لهم: لا تُصَدِّقُوهُم، فإذا جاءَ الأثَرُ أو التفسيرُ مَرفوعًا عن الصحابيِّ أوْ مَجزومًا بهِ، وإنْ لمْ يُذْكَرْ فيهِ الرسولُ قَبِلْنَاهُ؛ لأنَّهُم قدْ نُهُوا عنْ أَخْذِهم مِنْ أهلِ الكتابِ.

يقولُ: والمقصودُ أنَّ مِثلَ هذا الاختلافِ الذي لا يُعْلَمُ صحيحُهُ ولا تُفيدُ حكايَةُ الأقوالِ فيهِ كالمعرِفَةِ لِمَا يُرْوَى مِن الحديثِ الذي لا دليلَ على صِحَّتِهِ. وأمثالُ ذلكَ، المقصودُ أنَّ مِثلَ هذا الاختلافِ الذي لا يُعلَمُ صحيحُهُ ولا تُفيدُ حكايَةُ الأقوالِ فيهِ هوَ كالمعرِفةِ لِمَا يُرْوَى مِن الأحاديثِ التي لا دليلَ على صِحَّتِها، يعني: الاختلافَ الذي يُرْوَى عن الصحابةِ في التفسيرِ هوَ كالاختلافِ في الأحاديثِ التي لا يَتَأَكَّدُ فيها منْ صِحَّةِ الحديثِ، ولا مِنْ ضَعْفِهِ. يعني: كثيرًا ما يأتي حديثٌ يُرْوَى بأسانيدَ ضعيفةٍ معَ كونِهِ مَرفوعًا، فهلْ نَجْزِمُ بصِحَّتِهِ؟

يقولُ الناظمُ الذي هوَ العِرَاقِيُّ: فيقولُ: إنَّنا إذا قُلْنَا: هذا الحديثُ صحيحٌ، فإنَّما ذلكَ في الظاهرِ، فقدْ يكونُ ضَعيفًا في الباطنِ، ونحنُ لا نَأخذُ إلاَّ ما وَجَدْنَاهُ ظاهرًا، وإذا قُلْنَا: هذا الحديثُ ضعيفٌ فإنَّ ذلكَ في الظاهرِ فقدْ يكونُ صَحيحًا في باطنِ الأمرِ.

يقولُ: أمَّا القِسْمُ الأولُ الذي يُمكِنُ مَعرفةُ الصحيحِ منهُ فهذا موجودٌ فيما يُحتاجُ إليهِ وللَّهِ الحمدُ. يعني: الآثارَ التي يَحتاجُ الناسُ إلى مَعرفةِ الصحيحِ منها يُوجَدُ ما يَدُلُّ عليها. إذا كانَ الناسُ بحاجةٍ إلى معرفةِ دلالةِ الآيَةِ فلا بُدَّ مِنْ وُجودِ أدِلَّةٍ تُبَيِّنُها، إمَّا عن الصحابةِ، وإمَّا عن التابعينَ، وإمَّا في الأحاديثِ المرفوعةِ، فكلُّ شيءٍ الناسُ بحاجةٍ إليهِ لا بُدَّ أنْ يُوجَدَ دليلٌ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ. كثيرًا ما يُوجَدُ في التفسيرِ والحديثِ والمَغَازِي أُمُورٌ مَنقولةٌ عنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ وغيرِهِ مِن الأنبياءِ صلواتُ اللَّهِ وسلامُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت