الصفحة 33 من 89

وكما أنَّ على الحديثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بها أنَّهُ صِدْقٌ، وقدْ يُقْطَعُ بذلكَ، فعليهِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بها أنَّهُ كَذِبٌ، ويُقْطَعُ بذلكَ. مِثْلَمَا يُقْطَعُ بكَذِبِ ما يَرويهِ الوَضَّاعُونَ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ والغلُوِّ في الفضائلِ، مِثْلَ حديثِ يومِ عاشُورَاءَ وأمثالِهِ ممَّا فيهِ أنَّ مَنْ صَلَّى ركعتَيْنِ كانَ لهُ كأَجْرِ كذا وكذا نَبِيًّا. وفي التفسيرِ مِنْ هذهِ الموضوعاتِ قِطعةٌ كبيرةٌ، مثلَ الحديثِ الذي يَرْوِيهِ الثعلبيُّ والواحديُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في فضائلِ سُوَرِ القرآنِ سُورَةً سُورَةً؛ فإنَّهُ مَوضوعٌ باتِّفاقِ أهلِ العلْمِ، والثَّعْلَبِيُّ وهوَ في نفسِهِ كانَ فيهِ خيرٌ ودِينٌ، ولكنْ كانَ حاطِبَ لَيْلٍ، يَنْقُلُ ما وَجَدَ في كتُبِ التفسيرِ مِنْ صحيحٍ وضعيفٍ وموضوعٍ، والواحديُّ صاحبُهُ كانَ أَبْصَرَ منهُ بالعربيَّةِ، والبَغَوِيُّ تفسيرُهُ مُخْتَصَرٌ مِن الثعلبيِّ، لكِنَّهُ صانَ تفسيرَهُ عن الأحاديثِ الموضوعةِ والآراءِ الْمبْتَدَعَةِ.

والموضوعاتُ في كتُبِ التفسيرِ كثيرةٌ، منها الأحاديثُ الكثيرةُ الصريحةُ في الْجَهْرِ بالبَسملةِ، وحديثُ عَلِيٍّ الطويلُ في تَصَدُّقِهِ بخَاتَمِهِ في الصلاةِ؛ فإنَّهُ موضوعٌ باتِّفاقِ أهلِ العِلْمِ، ومِثلُ ما رُوِيَ في قولِهِ تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أنَّهُ عَلِيٌّ، وقولِهِ تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} : أُذُنُكَ يَا عَلِيُّ).

الشرْحُ:

تَعَرَّضَ في هذا كما سَمِعْنَا لاختلافِ الْمُحَدِّثِينَ؛ وذلكَ لأنَّهُ ممَّا يَظْهَرُ منهُ اختلافُ المفَسِّرِينَ، فذَكَرَ أنَّ الاختلافَ في التفسيرِ على نوعيْنِ: منهُ ما مُسْتَنَدُهُ النقْلُ، ومنهُ ما يُعْلَمُ بغيرِ ذلكَ.

الذي مُسْتَنَدُهُ النقْلُ هوَ المَرْوِيُّ عن السلَفِ وعنْ عُلماءِ الأُمَّةِ نَقْلًا بالأسانيدِ، واحدًا عنْ واحدٍ، هذا مُسْتَنَدُهُ النقْلُ. ومنهُ ما يُعلَمُ بغيرِ ذلكَ، ما يُعلَمُ بالاستنباطِ، فكثيرٌ مِن العلماءِ المتأخِّرينَ يَسْتَنْبِطُونَ مِن الآياتِ بعضَ الفوائدِ وبعضَ الأحكامِ، فيكونُ ذلكَ مُخَالِفًا لِمَا كانَ عليهِ المُفَسِّرُونَ الأوَّلُونَ.

في هذهِ الأزْمِنَةِ أُنَاسٌ تَكَلَّفُوا في تَطبيقِ بعضِ الآياتِ على واقعِ الناسِ في هذهِ الأزمنةِ. ولا شَكَّ أنَّ هذا تَكَلُّفٌ، فيقولُ بعضُهم: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ؛ يعني: تُرِكَتْ، ولمْ يُسْتَفَدْ منها، يقولُ: إنَّ ذلكَ فيما يَنطبِقُ على هذهِ الأزمنةِ؛ حيثُ استُغْنِيَ عنها بالصِّنَاعَاتِ، استُغْنِيَ عنها بالمراكِبِ الجديدةِ، ولكنْ هذا يُخالِفُ الظاهرَ؛ فإنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِهَوْلِ يومِ القِيامةِ؛ لأنَّ اللَّهَ بَدَأَهَا بقولِهِ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ، فيكونُ هذهِ الأشياءُ كُلُّها في يومٍ واحدٍ.

يقولُ:"العلْمُ إمَّا نَقْلُ مُصَدِّقٍ أو استدلالُ مُحَقِّقٍ". والنقْلُ هوَ الذي يكونُ بالأسانيدِ الصحيحةِ، نَقْلُ مُصَدِّقٍ عن السلَفِ. والاستدلالُ المحقَّقُ هوَ الذي يقولُ قَولًا ويَذْكُرُ مُستَنَدَهُ، فيقولُ قَولًا في معنى آيَةٍ ويَذْكُرُ مُستنَدَهُ، مثلَ تفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ، بالآياتِ الْمُفَصَّلَةِ؛ فإنَّ هذا استدلالُ مُحَقِّقٍ.

يقولُ:"المنقولُ إمَّا عنْ معصومٍ أوْ عنْ غيرِ المعصومِ". المعصومُ هوَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، والصحابةُ ومَنْ بعدَهم غيرُ مَعصُومينَ، يَقَعُ في أقوالِهم شيءٌ مِن الغَلَطِ. يقولُ: هذا هوَ النوعُ الأَوَّلُ. وهذا منهُ ما يُمْكِنُ مَعرفةُ الصحيحِ منهُ والضعيفِ، ومنهُ ما لا يُمْكِنُ مَعرفةُ ذلكَ. يعني: الذي نُقِلَ يُمْكِنُ تَتَبُّعُ أسانيدِهِ، فيُعْرَفُ ما هوَ صحيحٌ، ويُمْكِنُ أنَّ كثيرًا منهُ رُوِيَ بغيرِ أسانيدَ فلا يُمْكِنُ مَعرفةُ الصحيحِ والضعيفِ؛ لعَدَمِ الوقوفِ على الأسانيدِ، أوْ لأنَّ الأسانيدَ فيها إجمالٌ.

يقولُ:"وهذا القِسمُ الثاني مِن المنقولِ يعني: مِن التفسيرِ بالمنقولِ، وهوَ ما لا طَرِيقَ لنا إلى الْجَزْمِ بالصحَّةِ منهُ"يعني: ما لا طريقَ لنا إلى الجزْمِ بصِحَّتِهِ؛ عامَّتُهُ ممَّا لا فائدةَ فيهِ، يعني: الاختلافُ الذي يَقَعُ فيهِ عامَّتُهُ لا فائدةَ في الاختلافِ فيهِ، والكلامُ فيهِ مِنْ فُضولِ الكلامِ فلا حاجةَ إلى التكَلُّفِ وإلى القولِ فيهِ بغيرِ دليلٍ، أمَّا ما يَحتاجُ المسلمونَ إلى مَعرفتِهِ فإنَّ اللَّهَ تعالى نَصَبَ على الحقِّ فيهِ دليلًا. الأشياءُ التي يَحتاجونَ إلى مَعرفتِها كالعباداتِ والمحرَّماتِ، بَيَّنَها النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، ونَصَبَ اللَّهُ تعالى على مَعرفتِها أَدِلَّةً واضحةً، وأمَّا ما لا فائدةَ فيهِ، ولا دليلَ على الصحيحِ منهُ، فمِثْلُ اختلافِهم في لونِ كَلْبِ أصحابِ الكهفِ، ما الفائدةُ مِنْ ذلكَ؟ هلْ هوَ أَحْمَرُ أوْ أَسْوَدُ أوْ أبيضُ، لا فائدةَ، إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} ، ومِثلُ البعضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت