الصفحة 32 من 89

أهلُ العلْمِ بالقَبولِ والتصديقِ، والأمَّةُ لا تَجْتَمِعُ على خَطأٍ، فلوْ كانَ الحديثُ كَذِبًا في نفْسِ الأمرِ، والأمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لهُ قابلَةٌ لهُ لكانوا قدْ أَجْمَعوا على تصديقِ ما هوَ في نفْسِ الأمرِ كَذِبٌ، وهذا إجماعٌ على الخطأِ، وذلكَ مُمْتَنِعٌ، وإنْ كُنَّا نحنُ بِدونِ الإجماعِ نُجَوِّزُ الخطأَ أو الكَذِبَ على الخبرِ، فهوَ كتَجْوِيزِنا قَبْلَ أنْ نَعلَمَ الإجماعَ على العِلْمِ الذي ثَبَتَ بظاهِرٍ أوْ قِياسٍ ظَنِّيٍّ أنْ يكونَ الحقُّ في الباطلِ بخِلافِ ما اعتَقَدْنَاهُ، فإذا أَجْمَعُوا على الحُكْمِ جَزَمْنَا بأنَّ الحُكْمَ ثابتٌ باطنًا وظاهرًا.

ولهذا كانَ جُمهورُ أهلِ العلْمِ مِنْ جميعِ الطوائفِ على أنَّ خبرَ الواحدِ إذا تَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبولِ تَصديقًا لهُ أوْ عَمَلًا بهِ، أنَّهُ يُوجِبُ العلْمَ، وهذا هوَ الذي ذَكَرَهُ المُصَنِّفونَ في أُصُولِ الفقهِ مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ إلاَّ فِرْقَةً قليلةً مِن المُتَأَخِّرينَ اتَّبَعُوا في ذلكَ طائفةً مِنْ أهلِ الكلامِ، أَنْكَرُوا ذلكَ، ولكنَّ كثيرًا مِنْ أهلِ الكلامِ أوْ أكثرَهم يُوافِقُونَ الفقهاءَ وأهلَ الحديثِ والسلَفَ على ذلكَ، وهوَ قولُ أكثرِ الأشعريَّةِ كأبي إسحاقَ وابنِ فُورَكٍ، وأمَّا ابنُ الباقلانيِّ فهوَ الذي أَنْكَرَ ذلكَ، وتَبِعَهُ أبو المعالي وأبو حامدٍ وابنُ عَقيلٍ وابنُ الْجَوزيِّ وابنُ الخطيبِ والآمِدِيُّ ونحوُ هؤلاءِ. والأوَّلُ هوَ الذي ذَكَرَهُ الشيخُ أبو حامدٍ وأبو الطَّيِّبِ وأبو إسحاقَ، وأمثالُهُ مِنْ أئِمَّةِ الشافعيَّةِ، وهوَ الذي ذَكَرَهُ القاضي عبدُ الوهَّابِ وأمثالُهُ مِن المالكيَّةِ، وهوَ الذي ذَكرَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّرَخْسِيُّ وأمثالُهُ مِن الحنفيَّةِ, وهوَ الذي ذَكَرَهُ أبو يَعْلَى وأبو الْخَطَّابِ وأبو الحسَنِ بنُ الزَّاغُونِيِّ وأمثالُهم مِن الحنبليَّةِ.

وإذا كانَ الإجماعُ على تصديقِ الخبرِ مُوجِبًا للقطْعِ بهِ، فالاعتبارُ في ذلكَ بإجماعِ أهلِ العلْمِ بالحديثِ، كما أنَّ الاعتبارَ بالإجماعِ على الأحكامِ بإجماعِ أهلِ العلْمِ بالأمْرِ والنهيِ والإباحةِ. والمقصودُ هنا أنَّ تَعَدُّدَ الطرُقِ معَ عَدَمِ التشاوُرِ أو الاتِّفاقِ في العادةِ يُوجِبُ العلْمَ بمضمونِ المنقولِ، لكنَّ هذا يُنتفَعُ بهِ كثيرًا في عِلْمِ أحوالِ الناقلينَ، وفي مثلِ هذا يُنتفَعُ بروايَةِ المجهولِ والسيِّئِ الْحِفْظِ، وبالحديثِ المُرْسَلِ، ونحوِ ذلكَ.

ولهذا كانَ أهلُ العلْمِ يَكْتُبُونَ مِثلَ هذهِ الأحاديثِ، ويقولونَ: إنَّهُ يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيرِهِ. قالَ أحمدُ: قدْ أَكْتُبُ حديثَ الرجُلِ لأَعْتَبِرَهُ. ومَثَّلَ ذلكَ بعبدِ اللَّهِ بنِ لَهيعةَ قاضي مصرَ؛ فإنَّهُ كانَ مِنْ أكثرِ الناسِ حديثًا، ومِنْ خِيارِ الناسِ، ولكنْ بسببِ احتراقِ كُتُبِهِ وَقَعَ في حديثِهِ المُتَأَخِّرِ غَلَطٌ، فصارَ يُعْتَبَرُ بذلكَ ويُستشهَدُ بهِ، وكثيرًا ما يَقْتَرِنُ هوَ والليثُ بنُ سعدٍ، والليثُ حُجَّةٌ ثَبَتٌ إمامٌ.

وكما أنَّهُم يَستشْهِدُونَ ويَعتبرونَ بحديثِ الذي فيهِ سُوءُ حِفْظٍ، فإنَّهُم أيضًا يُضَعِّفُونَ مِنْ حديثِ الثقةِ الصَّدُوقِ الضابطِ أشياءَ تَبَيَّنَ لهم غَلَطُهُ فيها، بأُمُورٍ يَستدِلُّونَ بها ويُسَمُّونَ هذا: عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ، وهوَ مِنْ أَشْرَفِ عُلومِهم، بحيثُ يكونُ الحديثُ قدْ رَواهُ ثِقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيهِ، وغَلَطُهُ فيهِ عُرِفَ، إمَّا بسببٍ ظاهرٍ كما عَرَفُوا أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيمونةَ وهوَ حلالٌ، وأنَّهُ صَلَّى في البَيْتِ ركْعَتَيْنِ، وجَعَلُوا روايَةَ ابنِ عبَّاسٍ لتَزَوُّجِهَا وهوَ مُحْرِمٌ ولكونِهِ لمْ يَصِلْ ممَّا وَقَعَ فيهِ الغلَطُ، وكذلكَ أنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وعَلِمُوا أنَّ قولَ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ اعتمَرَ في رَجَبٍ ممَّا وَقَعَ فيهِ الغلَطُ، وعَلِمُوا أنَّهُ تَمَتَّعَ وهوَ آمِنٌ في حَجَّةِ الوداعِ، وأنَّ قولَ عُثمانَ لعَلِيٍّ: كُنَّا يومئذٍ خَائِفِينَ. ممَّا وَقَعَ فيهِ الغَلَطُ، وأنَّ ما وَقَعَ في بعضِ طُرُقِ البخاريِّ: (( إِنَّ النَّارَ لا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ ) ). ممَّا وَقَعَ فيهِ الغَلَطُ، وهذا كثيرٌ.

والناسُ في هذا البابِ طَرفانِ: طَرَفٌ مِنْ أهلِ الكلامِ ونحوِهم ممَّنْ هوَ بعيدٌ عنْ مَعرِفَةِ الحديثِ وأهلِهِ، لا يَمِيزُ بينَ الصحيحِ والضعيفِ، فيَشُكُّ في صِحَّةِ أحاديثَ، أوْ في القطْعِ بها معَ كونِها معلومةً مَقْطُوعًا بها عندَ أهلِ العلْمِ بهِ، وطَرَفٌ ممَّنْ يَدَّعِي اتِّبَاعَ الحديثِ والعملَ بهِ، كُلَّمَا وَجَدَ لفظًا في حديثٍ قدْ رواهُ ثِقةٌ، أوْ رَأَى حديثًا بإسنادٍ ظاهِرُهُ الصحَّةُ، يُريدُ أنْ يَجعلَ ذلكَ مِنْ جِنْسِ ما جَزَمَ أهلُ العلْمِ بصِحَّتِهِ، حتَّى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ، أَخَذَ يَتَكَلَّفُ لهُ التَّأْوِيلاتِ الباردةَ، أوْ يَجعلُهُ دليلًا في مَسَائِلِ العلْمِ، معَ أنَّ أهلَ العلْمِ بالحديثِ يَعرِفونَ أنَّ مِثلَ هذا غَلَطٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت