الصَّفوةِ، أنَّ هؤلاءِ همْ أهلُ الصَّفوةِ، همْ صَفوةُ العِبادِ، وأنَّهُم كُلَّهم أُورِثُوا الكتابَ؛ يعني: أنَّهُم عَمِلُوا بالكتابِ، فيكونُ الظالمُ لنفسِهِ قِسْمًا منهم، ولكنَّهُ هوَ الْمُقَصِّرُ في العباداتِ ونحوِها؛ وذلكَ لأنَّهُ لا يَسْلَمُ أحدٌ مِنْ ظُلْمِ نفْسِهِ.
ولهذا حَكَى اللَّهُ تعالى عنْ ذي النُّونِ أنَّهُ قالَ: {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، معَ أنَّهُ مِنْ أنبياءِ اللَّهِ، ولكنْ ظَلَمَ نفسَهُ ببعضِ الأعمالِ.
ومِن الأدلَّةِ أيضًا تعليمُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ لأبي بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، سَأَلَ أنْ يُعَلِّمَهُ دُعاءً يَدعو بهِ في صلاتِهِ، فقالَ: (( قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا -وفي روايَةٍ كَبِيرًا- وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ) )، والحديثُ في الصحيحِ.
فعُرِفَ بذلكَ أنَّ الظالمَ لنفسِهِ مِن المؤمنينَ، ولكنْ هوَ الْمُقَصِّرُ، وما ذُكِرَ مِن الأنواعِ في هذا وفي غيرِهِ إنَّما هيَ أمثلةٌ. يقولُ الشيخُ:"فمعلومٌ أنَّ الظالمَ لنفسِهِ يَتناوَلُ الْمُضَيِّعَ للواجباتِ والمُنْتَهِكَ للمُحَرَّمَاتِ"، مُضَيِّعٌ لبعضِ الواجباتِ لا لكُلِّها، لا يَترُكَ الواجباتِ التي يَكْفُرُ بتَرْكِها، يَفعلُ بعضَ المحرَّماتِ ويَتركُ بعضَ الواجباتِ، فلذلكَ يُسَمَّى ظالمًا، وأمَّا المقتصِدُ فهوَ يَتناوَلُ فعْلَ الواجباتِ، فاعلٌ للواجباتِ وتارِكٌ للمحرَّماتِ، وأمَّا السابقُ فيَدخلُ فيهِ مَنْ سَبَقَ، فتَقَرَّبَ بالحسناتِ معَ الواجباتِ. ومنهم مَنْ يقولُ: إنَّ الظالمَ لنفسِهِ هوَ الذي يَتركُ السُّنَنَ، ويَقتصِرُ على الفرائضِ، ويَفعلُ بعضَ المحرَّماتِ، وأمَّا المقتصِدُ فهوَ الذي يَقتصِرُ على الواجباتِ، يَفعلُها ويَتركُ المحرَّماتِ، وأمَّا السابقُ فهوَ الذي يَفعلُ أوْ يأتي بالواجباتِ وجميعِ المندوباتِ والمستحبَّاتِ ويَتركُ المحرَّماتِ، ويَتركُ المكروهاتِ، ويَتركُ الكثيرَ مِن المباحاتِ التي تَشغَلُ عن القُرُبَاتِ. بيانُ تفسيرِ ذلكَ في تفسيرِ ابنِ كثيرٍ وغيرِهِ.
فيقولُ:"فالمقتصِدونَ همْ أصحابُ اليمينِ"، يعني: الذينَ ذُكِرُوا في قولِهِ تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} ، والسابقونَ بالخيراتِ هم الذينَ ذُكِرُوا في: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} ، وفي قولِهِ: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} .
يقولُ: ثمَّ إنَّ كُلاًّ مِن العلماءِ يَذْكُرُ هذا في نوعٍ مِنْ أنواعِ الطاعاتِ، فيَذكرُ الثلاثةَ فيهِ فيقولُ مَثَلًا: السابقُ الذي يُصَلِّي في أوَّلِ الوقتِ، والمقتصِدُ الذي يُصَلِّي في أثنائِهِ، والظالمُ لنفسِهِ الذي يُؤَخِّرُ العصرَ إلى الاصفرارِ. هذا مِثالٌ، ومعلومٌ أنَّهُ ليسَ حَصْرًا لهؤلاءِ. ويقولُ بعضُهم: السابقُ والمقتصِدُ والظالمُ قدْ ذَكَرَهم اللَّهُ في آخِرِ سورةِ البقرةِ؛ فإنَّهُ ذَكَرَ المحسِنَ بالصدقَةِ، والظالمَ بأَكْلِ الربا، والعادلَ بالبيعِ، ذَكَرَ اللَّهُ تعالى قولَهُ: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} إلى قولِهِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً} ، فهؤلاءِ فُسِّرُوا بأنَّهُم السابقونَ، وهذا كمِثالٍ. ثمَّ ذَكَرَ الظالمَ بقولِهِ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ} . ثمَّ ذَكَرَ العادلَ المقتصِدَ بقولِهِ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} ، والناسُ في الأموالِ ذَكَرَ ثلاثةَ أقسامٍ: مُحْسِنٌ وعادلٌ وظالمٌ، فالمحسِنُ هوَ السابقُ، والعادلُ هوَ المقتصِدُ، والظالمُ هوَ الظالمُ، فَسَّرَ السابقَ المحسِنَ بأداءِ المستحبَّاتِ معَ الواجباتِ، هذا المحسِنُ يعني: السابقَ، يَفعلُ الواجباتِ ويَتقرَّبُ إلى اللَّهِ تعالى بفعْلِ المستحبَّاتِ، ويَتركُ المُحرَّماتِ، ويَتركُ أيضًا المكروهاتِ، ويَتركُ الكثيرَ مِن المباحاتِ التي تَشغَلُ عن الخيراتِ، وأمَّا الظالمُ فيَدخُلُ فيهِ آكِلُ الربا أوْ مانعُ الزكاةِ، يعني: نوعٌ مِنْ أنواعِ الظالمِ لنفسِهِ، والمقتصِدُ الذي يُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، المقتصِدُ هوَ الذي يُؤَدِّي ما أُوجِبَ عليهِ ولا يَأكلُ الربا.
الوجهُ الثانِي
والحاصلُ أنَّ هذهِ تفاسيرُ لهذهِ الآيَةِ، وتفاسيرُها كثيرةٌ، يعني: أمثالُها، فكلُّ قولٍ فيهِ ذِكْرُ نوعٍ داخلٍ في الآيَةِ، ذُكِرَ للتعريفِ بتناوُلِ الآيَةِ لهُ، يَعني يَذْكُرُ نوعًا مِنْ أنواعِهِ، ويُنَبِّهُ بهِ على نظيرِهِ، يعني: هذا مِثالٌ، فإذا قِيلَ: مِن الأمثلةِ في الصدقاتِ المقتصِدُ أو السابقُ هوَ الذي يَتصدَّقُ بما عندَهُ، يَتصدَّقُ على الفقراءِ والمساكينِ ونحوِهم بما فَضَلَ عنْ حاجتِهِ، والمقتصِدُ هوَ الذي يَقتصِرُ على أداءِ الزكاةِ وأداءِ الحقوقِ الواجبةِ، والظالمُ هوَ الذي يَمْنَعُ كثيرًا مِن الحقوقِ الواجبةِ، ويُؤَخِّرُ الزكاةَ، ويَمْنَعُ ويَبْخَلُ بما رَزَقَهُ اللَّهُ تعالى، كذلكَ في الصيامِ مَثلًا أنْ يُقالَ: السابقُ هوَ الذي يَحْفَظُ صيامَهُ عن اللغوِ والرفَثِ، ويَتقرَّبُ إلى اللَّهِ بصيامِ ما يَقْدِرُ