أَنْزَلَ في الفرائضِ ثلاثَ آياتٍ مُنْفَصِلَةٍ، ذَكَرَ في الأُولَى الأصولَ والفروعَ، وذَكَرَ في الثانيَةِ الحاشيَةَ التي تَرِثُ بالفرْضِ، كالزَّوْجَيْنِ ووَلَدِ الأمِّ، وفي الثالثةِ الحاشيَةَ الوارثةَ بالتعصيبِ، وهم الإخوةُ للأبوَيْنِ أوْ للأبِ، واجتماعُ الجَدِّ والإخوةِ نادرٌ، ولهذا لمْ يَقَعْ في الإسلامِ إلاَّ بعدَ موتِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، والاختلافُ قدْ يكونُ لِخَفَاءِ الدليلِ والذُّهولِ عنهُ، وقدْ يكونُ لعَدَمِ سَمَاعِهِ، وقدْ يكونُ للغلَطِ في فَهْمِ النصِّ، وقدْ يكونُ لاعتقادِ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ، فالمقصودُ هنا التعريفُ بِمُجْمَلِ الأمْرِ دُونَ تفاصيلِهِ).
الشرْحُ: هكذا ذَكَرَ الصِّنْفَ الثانيَ مِن اختلافِ الصحابةِ أو اختلافِ المفسِّرينَ، الذي لا يُسَمَّى اختلافَ تَضَادٍّ، ولكنَّهُ اختلافُ تَنَوُّعٍ، ثمَّ ذَكَرَ لهُ هذهِ الأمثلةَ، يقولُ:"أنْ يَذْكُرَ كلُّ واحدٍ منهم مِن الاسمِ العامِّ بعضَ أنواعِهِ على سبيلِ التمثيلِ"، الاسمُ العامُّ الذي يَدخُلُ فيهِ بعضُ أنواعِهِ، فيَذْكُرُ بعضَ أنواعِهِ على سبيلِ الْمِثالِ، وعلى تنبيهِ المستمِعِ على النوعِ لا على سبيلِ الْحَدِّ المطابِقِ للمحدودِ في عمومِهِ وخصوصِهِ، الاسمُ العامُّ اللفظُ الذي يُفَسَّرُ بهِ.
فاللَّهُ تعالى مَثَلًا ذَكَرَ بعضَ الأسماءِ العامَّةِ بعدَّةِ أسماءٍ، فذَكَرَ الجنَّةَ بعِدَّةِ أسماءٍ: كالفِرْدَوْسِ والنعيمِ والْخُلْدِ، وذَكَرَ النارَ أيضًا بعِدَّةِ أسماءٍ: كجَهَنَّمَ والجحيمِ وسَقَرَ والسعيرِ ولَظًى والهاويَةِ. والمسمَّى واحدٌ، اسْمُها الذي يَعُمُّها النارُ، فإذا قيلَ: ما المرادُ بِجَهَنَّمَ؟ يقالُ: النارُ، وإذا قيلَ: ما المرادُ بسَقَرَ؟ فتقولُ: اسمٌ مِنْ أسماءِ النارِ، ولماذا سُمِّيَتْ؟ وكيفَ سُمِّيَتْ بهذا؟ لأنَّها تَشْتَعِلُ على مَنْ فيها، ولأنَّها تُحْرِقُ، ونحوِ ذلكَ.
وكذلكَ أسماءُ الْجَنَّةِ؛ لأنَّ فيها خُلْدًا، ولأنَّ فيها نعيمًا، فهذا الاسمُ العامُّ يَذْكُرُ بعضَ أنواعِهِ على سبيلِ التمثيلِ، وعلى تنبيهِ المستمِعِ على النوعِ، لا على سبيلِ الْحَدِّ المطابِقِ للمحدودِ، ففي عمومِهِ وخصوصِهِ؛ فإنَّ اللغةَ فيها أسماءٌ مُحَدَّدَةٌ، يعني: مُطابِقَةً للمحدودِ، كما إذا قيلَ: ما المرادُ بالبيعِ؟ فتُفَسِّرُهُ فتقولُ: إنَّهُ عَقْدٌ على مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ، أنَّهُ مُبادَلَةُ مالٍ أوْ مَنفعةٍ بِمِثْلِ أحدِهما على التأبيدِ إلى آخِرِ التعريفِ، وكذلكَ إذا قيلَ: ما المرادُ بالصلاةِ شَرْعًا؟ تُعَرِّفُها بأنَّها أقوالٌ وأفعالٌ مُفْتَتَحَةٌ بالتكبيرِ ومُخْتَتَمَةٌ بالتسليمِ.
ذَكَرَ مِثالَ سائلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عنْ مُسَمَّى لفظِ الخُبْزِ، فأُرِيَ رغيفًا, وقيلَ لهُ: هذا. فالإشارةُ إلى نوعِ هذا, لا إلى هذا الرغيفِ وَحدَهُ؛ أيْ: ليسَ الخبْزُ هوَ هذا الرغيفَ فقطْ، بلْ هذا مِنْ جُملتِهِ أوْ مِنْ أنواعِهِ، أوْ هوَ ما يُشْبِهُ هذا، فالإشارةُ إلى نوعِ هذا, لا إلى هذا الرغيفِ وَحْدَهُ. مثالُ ذلكَ: ما نُقِلَ في قولِهِ تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} هذهِ الآيَةُ فَسَّرَها العلماءُ وأَكْثَرُوا في ذِكْرِ الأمثلةِ لهؤلاءِ الذينَ قَسَّمَهم اللَّهُ تعالى، فمنهم مَنْ جَعَلَ الظالمَ لنفسِهِ هوَ الكافرَ، ومنهم جَعَلَ الظالمَ لنفسِهِ هوَ بعضَ المؤمنينَ، وتَجِدُونَ مَنْ تَوَسَّعَ عليها ابنَ القَيِّمِ في كتابِهِ (طريقُ الهجرَتَيْنِ وبابُ السعادَتَيْنِ) ، ذَكَرَ ذلكَ استطرادًا.
ولكنْ يَتَرَجَّحُ أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ: الظالمَ والمقتصِدَ والسابقَ، كلَّهم مِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كانوا يَتفاوتونَ في دَرجاتِها. ومِن العلماءِ مَنْ قالَ: كُلُّهم، يعني: اثنانِ مِنْ أهلِ الجنَّةِ، المقتصِدُ والسابقُ، وأمَّا الظالِمُ فليسَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ، بلْ مِنْ أهلِ النارِ، وجَعلوها مثلَ التقسيمِ في أوَّلِ سورةِ الواقعةِ، وفي آخِرِها؛ فإنَّ اللَّهَ قالَ في أوَّلِها: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} ، فهذهِ ثلاثةُ أقسامٍ، عِلْمًا أنَّ أصحابَ الْمَشْئَمَةِ هم أهلُ النارِ، كذلكَ في آخِرِ السورةِ في قولِهِ: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ} .
يقولُ .. كأنَّ المؤلِّفَ هنا رَحِمَهُ اللَّهُ اختارَ أنَّ الجميعَ مِنْ أهلِ الجنةِ؛ وذلكَ لأنَّ اللَّهَ تعالى أَوْرَثَهُمُ الكتابَ، قالَ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} ، وكلمةُ {اصْطَفَيْنَا} تَدُلُّ على الاختيارِ، كما في قولِهِ: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} ، وكقولِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} ، فالاصطفاءُ يَدُلُّ على أنَّهُم مِن