فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 168

عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءتْ مصيرًا، وقال ـ تعالى ـ عن خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ: {أئفكًا آلهةً دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين} أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره، وظننتم أنه يحتاج في الاطّلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابًا للحوائج إليه ونحو ذلك.

وهذا بخلاف الملوك: فإنهم يحتاجون إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم عن إدراك حوائج المضطّرِّين؛ فأما من لا يُشغله سمعٌ عن سمع وسبقتْ رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة فما تصنع الوسائط عنده؛ فمن اتّخذ واسطة بينه وبين الله ـ تعالى ـ فقد ظنّ به أقبح الظن؛ ومستحيلٌ أنْ يَشْرَعه لعباده، بل ذلك يمتنع في العقول والفِطَر [1] .

(1) قال ـ رحمه الله ـ: (( واعلم: أنّ الذي ظنّ أن الرب ـ سبحانه وتعالى ـ لا يسمع له أو لا يستجيب له ) )دعائه؛ يحتمل معنيَيْن: لا يسمع أصلًا، نفيُ السماع؛ أو: لا يسمع سماع قَبول؛ فيكون المعنى يتّحد مع الجملة التي بعده (( لا يسمع له أو لا يستجيب له ) ).

(( إلا بواسطة ) )من يُطلعه على ذلك؛ يحتاج إلى واسطة تُطلعه على طلب ما يطلبه منه العباد، أو إلى واسطة تسأل له منه، تسأل ذلك منه.

(( إلا بواسطة تُطلعه على ذلك أو تسأل ذلك منه ) ). الداعي يدعوا فيوسِّط شخصًا آخر، ذلك الشخص هو الذي يطلِع الله على حاجة هذا الطالب المضطّر، أو هو الذي يسأل الله فيقول لله ـ سبحانه وتعالى ـ: استجب لهذا المسكين؛ من وقف هذا الموقف (( فقد ظنّ بالله ظنّ السَّوء؛ فإنه إنْ ظن أنه لا يعلم ) )الرب ـ سبحانه وتعالى ـ لا يعلم (( أو لا يسمع إلاّ بإعلام غيره له ) )أنّ غيره هو الذي يبلِّغه فيُخبره (( وإسماعه ) )كأنه يترجم له ويشرح له ليفهم.

(( [فذلك] نفيٌ لعلم الله وسمعه وكمال إدراكه ـ سبحانه ـ وكفى بذلك ذنبًا بل كفرًا ) )بواحًا؛ هذا واضح.

(( وإنْ ظنَّ ) )هذا احتمال؛ المعنى الذي أشرنا إليه هناك ـ (( لا يسمع له ) )ـ هو الاحتمال الثاني.

(( وإنْ ظنّ أنه يسمع ) )أن الله يسمع مجرّد سماع (( ويرى ولكن يحتاج إلى من يُلينه ) )إلى من يحرِّكه حتى يلين ويرحم، (( و ) )إلى من (( يعطفه عليه ) )إلى من يحمله على العطف والرحمة على هذا الذي يطلب منه طلبات وعلى الداعي (( فقد أساء الظن بإفضال ربه

[سبحانه] )) أي: بعطاء ربه (( وبِرِّه وإحسان وسعة جوده ) )هو كالذي قبله ذنبٌ ليس بعده ذنب وكفرٌ بواح.

(( وبالجملة: فأعظم الذنوب عند الله ـ تعالى ـ: إساءة الظن ) ). تقدّم أن قرّر الشيخ أنّ أعظم الذنوب: الإشراك بالله؛ واضح؛ وهنا قال: (( وبالجملة: فأعظم الذنوب ) )لو قال: فمن أعظم الذنوب عند الله ـ تعالى ـ: إساءة الظن لكان أولى، بـ (مِنْ) .

(( ولهذا يتوعدهم ) )يتوعدّ الرب ـ سبحانه وتعالى ـ (( في كتابه على إساءة الظن به أعظم وعيد ) ) (وعيد) اسم مصدر لـ (توعّد) ؛ (توعّد) مصدره (توعُّدًا)

كـ (تفضّل تفضُّلا) ؛ ولكن (الوعيد) اسم مصدر لـ (توعّد) .

(( كما قال ـ تعالى ـ ) )في المنافقين: {ويعذِّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانِّين بالله ظنّ السَّوء عليهم دائرة السَّوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنم وساءتْ مصيرًا} هذا الوعيد الشديد؛ {عليهم دائرة السوء} : سوف يدور عليهم السُّوء، يغضب الله عليهم، ويلعنهم يُبعدهم عن رحمته، ويُعِدُّ لهم جهنم

{وساءتْ مصيرًا} لهم إذْ لا يخرجون منها إذا ماتوا على ذلك؛ نتيجة الشرك ونتيجة سوء الظن بهذه الطريقة ونتيجة الكفر الصريح ـ ككفر اليهود والنصارى الذين ماتوا على ذلك وكفر المشركين الأوّلين ـ النتيجة واحد: جهنّم مصيرهم خالدين فيها مخلَّدين؛ هذا الذي يجب أن يعتقد كلُّ مسلم، كما يجب أن يعتقد أنه لا يبقى في النار من قال في قلبه مثقال ذرّة من إيمان، وبمقابل ذلك يعتقد أنّ من مات على الكفر بجميع أنواعه لا يخرُج من النار؛ والنار دائمة باقيةٌ بعذابها، كما أنّ الجنة باقية دائمة بنعيمها؛ كلُّ ذلك بإبقاء الله؛ أما البقاء الذاتي فلله وحده؛ وما أخبر أو أخبر رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ من بقائها كالجنة ونعيمها والنار وعذابها ليس ذلك بقاءً ذاتيًّا ولكنه بإبقاء الله ـ تعالى ـ، يفعل الله ما يشاء.

(( وقال ـ تعالى ـ عن خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ) )وهو يخاطب قومه:

{أئفكًا آلهةً دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين} ماذا تعتقدون في ربكم على ما تفعلون وترتكبون؟.

(( أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره ) )بأيِّ جزاء يجازيكم؟.

(( وظننتم أنه يحتاج في الاطّلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابًا للحوائج إليه ونحو ذلك ) ). وهذه العبارة (بابٌ لحوائج العباد إلى الله) يستعملها بعض الغُلاة من أتباع الصوفية: يسمون مشايخهم أبوابهم إلى الله.

(( وهذا بخلاف الملوك؛ فإنّ الملوك محتاجون إلى الوسائط ضرورة ) )لأنهم عبيد (( لحاجتهم ) )وهم محتاجون (( وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم عن إدراك حوائج المضطّرين ) )كونهم وصلوا إلى درجة الملك لا يجعلهم محيطين بحوائج الناس، لا، يحتاجون إلى وسائط؛ دونهم الوزراء، دونهم الأمراء، دونهم مَنْ دونهم مَن يتّصل مباشرة بأفراد الشعب ويعرف ضروراتهم وينقل إلى من فوقه وذلك ينقل إلى مَنْ فوقه حتى يصل العلم إلى الملوك، بعد ذلك يفعلوا ما يستطيعون فعله؛ وإلا هم عاجزون من أن يحيطوا إحاطة بجميع حوائج المضطّرين.

ومَنْ جعل الله ـ تعالى ـ كالملوك وجعل المشايخ والصالحين بمثابة الوسطاء الذين يشرحون لله حاجات عباده شبّهوا الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالمخلوق الضعيف العاجز القاصر في علمه وإدراكه.

(( فأما من لا يشغله سمعٌ عن سمع ) )يدعوه آلاف الناس في وقت واحد، لا يشغله سماع دعاء زيد عن سماع دعاء عمرو، وهكذا إلى آخره.

(( ومَنْ سبقت رحمته غضبه ) )وغلبته، (( و ) )من (( كتب على نفسه الرحمة ) )تفضُّلًا وإحسانًا لا وُجوبًا (( فما تصنع الوسائط عنده ) )ماذا تصنع؟، عبث؛ تقديم الوسائط لدى مَنْ هذه بعضُ صفاته إنما هو عَبث وعدمُ التوفيق.

(( فمن اتّخذ واسطةً بينه وبين الله ـ تعالى ـ فقد ظنّ به أقبح الظن، ومستحيلٌ أن يَشْرَعه لعباده ) ). كما أنّ الشريك مستحيل والصاحبة مستحيل والولد مستحيل كذلك إيجاد واسطة بينه وبين عباده مستحيل لا يليق بالله ـ تعالى ـ.

(( بل ذلك يمتنع في العقول والفِطَر ) )قبل الشرع؛ العقل السليم الذي عافاه الله من التلوُّث بآراء علماء الكلام وجَهَلة الصوفية والفطرة السليمة التي بقِيَتْ على سلامتها تأبى ذلك. وفعلًا: العامي الذي هو بعيد كلَّ البُعد عن علماء الكلام وجهلة الصوفية أقرب إلى فهم الحقائق إذا سمع، لأن الفطرة باقية على ما هي، وهو جاهل في باديته في أعماق البادية، لكنه أحسن حالًا عند سماع الخير وسماع الموعظة أحسن حالًا من الذين يعيشون في كَنَف الصوفية ومع علماء الكلام هؤلاء فسدت فطرهم وعقولهم؛ أما ذلك الأعرابي لو جاء يفهم حالًا ويهتدي حالًا لأنهم باقٍ على فطرته.

لأمرٍ ما اختار الله خاتمَ النبيِّين من أمة أميّة، عاشتْ بعيدة عن جميع الحضارة لا الحضارة الفارسية ولا الحضارة الرومية ولا الحضارية الهندية؛ في قلب هذه الجزيرة، مع ما فيهم من الجهل، لكن كانوا بعيدين جِدًّا كلَّ البُعد عن الحضارات التي تُفسد العقول وتُفسد الفطر؛ الله عليمٌ حكيم اختار خاتم النبيِّين أُميًّا من أمة أميّة ـ سبحانه ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت