الصفحة 62 من 118

وفي البيتِ الأوَّلِ دليلٌ على أنَّ القوْمَ مُخْتَصٌّ بالرجالِ، ونَظيرُه قولُه تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} ثم قالَ تعالى: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} وكثيرٌ مِن الناسِ يَرْفَعُ النساءَ في البيتِ تَوَهُّمًا منهم أنه الاسمُ، ومُخَبَّآتٌ الخبَرُ، وإنما الاسمُ ضميرُ آلِ حِصْنٍ، والنساءُ خبَرٌ، ومُخَبَّآتٌ حالٌ، أي: فإن كُنَّ آلُ حِصْنٍ النساءَ مُخَبَّآتٍ فحُقَّ لهن أن يُهْدَيْنَ إلى أزواجِهِنَّ كسائِرِ الْمُتَزَوِّجاتِ.

والوجهُ الثاني: أن يكونَ مُبتدأً مُخْبَرًا عنه بالظرْفِ الأَوَّلِ، أو الثاني، أو كِلَيْهِما، وساغَ الابتداءُ به لتَقَدُّمِ النفيِ ولِتَقَدُّمِ خَبَرِه ظَرْفًا، وإذا قُدِّرَ الظَّرفانِ خَبَرَيْنِ، قُدِّرَ لكلٍّ منهما مُتَعَلِّقٌ يَخُصُّه.

وإذا قُدِّرَ الْخَبَرُ الأَوَّلُ، فالظرْفُ الثاني إمَّا مُتَعَلِّقٌ به، أو بِمُتَعَلِّقِه المحذوفِ، على الخِلافِ المشهورِ في أنَّ العمَلَ للظرْفِ، أو للاستقرارِ وإمَّا حالٌ: فيَتَعَلَّقُ بمحذوفٍ، وفي صاحِبِ الحالِ وَجهانِ:

أحدُهما: أنه الضميرُ الْمُسْتَتِرُ في الظرْفِ الأَوَّلِ؛ لأن الصحيحَ أنَّ الظرْفَ يَتَحَمَّلُ ضَميرًا مُنْتَقِلًا إليه مِن الاستقرارِ المحذوفِ، ولهذا أُكِّدَ في قولِ كُثَيِّرٍ (البحر الطويل) .

قولُه:"مِنْكِ"بعدَ قولِه:"مَوَدَّتُها"فيه الْتِفَاتٌ مِن الغَيْبَةِ إلى الْخِطَابِ، كقولِه تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإنْ كان قولُه:"أَرْجُو آمُلُ"الْتِفَاتًا عن الْخِطابِ في قولِه:"فلا يَغُرَّنَّكَ"ففي البيتِ الْتِفَاتَانِ.

قولُه:"تنويلُ"لك في ارتفاعِه وجهان:

أحدُهما: أن يكونَ فاعلًا إمَّا بالظرْفِ الأَوَّلِ أو الثاني، أمَّا على قولِ الأَخْفَشِ والكُوفِيِّينَ: إنه لا يُشْتَرَطُ في إعمالِ الظرْفِ الاعتمادُ فلا إشكالَ، وأمَّا على قولِ الْجُمهورِ: إنَّ ذلك شَرْطٌ فَعَلَى أن يكونَ إخالُ مُعتَرِضَةً بينَ النافِي والظَّرْفَيْنِ، فإن قلتَ: هل يَجوزُ أن يكونَ الظَّرفانِ قد تَنازعاهُ؟ فإن أَعْمَلْتَ الأَوَّلَ أَضْمَرْتَ في الثاني اتِّفاقًا، وإن أَعْمَلْتَ الثانيَ أَضْمَرْتَ في الأَوَّلِ عندَ البَصرِيِّينَ، وحَذَفْتَ مَعمولَه عندَ الكِسائيِّ، وأَعْمَلْتَ فيه الاثنينِ عندَ الْفَرَّاءِ، كما تَقولُ في: قامَ وقَعَدَ زَيدٌ؟.

قلتُ: شَرْطُ صِحَّةِ التَّنَازُعِ أن يكونَ بينَ العامِلَيْنِ ارتباطٌ، فلا يَجوزُ نحوَ: قامَ قَعَدَ زَيدٌ بغيرِ عَطْفٍ، وهذا بِمَنْزِلَتِهِ.

فإن قلتَ: فما الدليلُ على جَوازِ ما زَعَمْتَه مِن صِحَّةِ الاعتراضِ بينَ النافِي والْمَنْفِيِّ؟ قلتُ: قولُ الشاعرِ (البحر الْمُنْسَرِح) :

ولا أَراهَا تَزالُ ظالِمَةً ... تَحْدِثُ لي قَرحةٌ وتَنْكَؤُهَا

وقد ثَبَتَ الاعتراضُ بينَ الْحَرْفِ ومَصحوبِه في كَلِمَتَيْ: خِلْتُ وإخالُ أَنْفُسِهما، فالأَوَّلُ: كما تَقَدَّمَ مِن قولِ الشاعرِ:"ما خِلْتُنِي زَلْتُ بعدَكم ضَمِنًا"والثاني: كقولِ زُهيرٍ (بحر الوافِر) :

فإن يك جُثمانِي بأَرْضٍ سِواكُمُ ... فإنَّ فُؤادِي عندَكِ الدَّهْرَ أَجْمَعُ

وزَعَمَ ابنُ خَروفٍ أنه لا يَتَحَمَّلُه إلا بشَرْطِ التأَخُّرِ عن الْمُبتدأِ، وزَعَمَ آخَرونَ أنه لا يَتَحَمَّلُه مُطْلَقًا أو تَأَخَّرَ، والصحيحُ الأوَّلُ، ثم قالَ ابنُ جِنِّي في قولِ الشاعرِ: (البحر الوافِر)

ألا يا نَخْلَةً مِن ذاتِ عِرْقٍ ... عليكِ ورحمةُ اللهِ السلامُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت